الكاتبة عاليا عجيزة
على الطاولة الخشبية المهترئة، كان “مفتاح العصور” يلمع ببرود قاتم، جاذباً عينيّ في الظلام المحيط. القمر، قمر مكتمل كئيب، يراقب من وراء الغيوم المتشابكة التي تُحكم قبضتها على السماء، بينما أغصان الأشجار العارية ترقص كأذرع أشباح خلف زجاج النافذة المكسور. هذه هي “المنطقة الرمادية”، حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والخيال، وحيث تلتقي الأحلام بالكوابيس.
الطقوس تتطلب شموعاً من شمع النحل المسحور، وها هي تذبل أمامي، تنشر رائحة الموت والعنبر في الهواء الثقيل. والكتاب، كتاب “الأسرار المنسية”، لم يلمسه ضوء الشمس منذ قرون، صفحاته المفتوحة ملطخة بقطرات حمراء داكنة. “دم الذكرى”، هكذا أسميه. فمع كل سطر أترجمه من لغة الأرواح، تسقط قطرة، محولةً الحروف الميتة إلى كائنات تنبض بالحياة، أو ربما تلعنها.
نظرتُ إلى المرآة البيضاوية أمامي، ولم تعكس صورتي. بدلاً من ذلك، كشفت عن “الجانب الآخر”؛ عالمٌ موازٍ حيث البيت القديم في الخلفية، بيت أجدادي الذين فقدوا ظلالهم منذ أن عبروا. كان البيت يضيء بنور أخضر شاحب، يدعوني للعبور، بينما الأشجار الحارسة تهمس بكلمات تحذيرية لا يفهمها إلا من فقد عقله. شعرتُ بالعينين الحمراوين تراقباني من فوق الشجرة العتيقة في هذا العالم الآخر. إنه “الرقيب”، حارس التوازن بين العالمين، كيان لا نعرف له اسماً، لكنه يفرض نفسه كشاهد أبدي.
الساعة النحاسية بجانبي دقت، مشيرةً إلى الحادية عشرة وخمس وخمسين دقيقة. خمس دقائق فقط تفصلني عن كسر الختم الأخير، أو البقاء عالقاً في هذا الفراغ بين العوالم للأبد. هل أحمل المفتاح، وأقتحم المرآة لألتقي بأجدادي الذين طمسهم الزمن؟ أم أحرق الكتاب، وأنهي هذا الكابوس الذي بدأتُه بيدي؟ لكن الأوان قد فات. الدم قد جف بالفعل على الورق، والعهد قد كُتب، وما بدأتُه لا يمكن التراجع عنه.
القمر يراقب، البيت ينتظر، والمرآة بدأت تتشقق ببطء، على وشك أن تسمح لشيءٍ ما بالعبور.
![]()
