الكاتبة علياء عجيزة
على حافة المدى، حيث يرتطم الموج بصدر الشاطئ في عناق أزلي، تجلس الروح في حضرة النور. هنا، ليس البحر مجرد ماء مالح، وليس الرمل مجرد ذرات صامتة؛ بل هما جوقة موسيقية تسبح بلغة لا يفهمها إلا من ألقى السمع وهو شهيد. أمام المصحف المفتوح على سورة “هود”، تتوقف عقارب الزمن، ويصبح الكون كله مرآة تعكس جلال الكلمات وعظمة الخالق.
في هذه اللحظة، يبدو البحر وكأنه يهمس بآيات الصبر. أمواجه التي تجيء وتذهب تذكرنا بتقلبات الحياة؛ تارة تثور كعاصفة، وتارة تهدأ كطفل وادع. ولكن، أمام “كتاب أُحكمت آياته ثم فُصلت من لدن حكيم خبير”، يتلاشى كل اضطراب. إن القراءة على الشاطئ ليست مجرد استمتاع بالمنظر، بل هي محاولة لربط “الوحي المنظور” في صفحات الكون، بـ”الوحي المقروء” في صفحات المصحف. فالبحر الذي نراه خلف الكلمات، هو ذاته الذي حمل سفينة نوح، وهو ذاته الذي شهد على هلاك الظالمين ونجاة المؤمنين، وكأن الطبيعة تعيد تلاوة القصص القرآنية بصوت أمواجها الرتيب.
أما الرمل تحت هذا الكتاب العظيم، فله ترتيله الخاص. كل حبة رمل هي شاهد صامت على مرور الوقت، هي رمز للتواضع والعودة إلى الأصل. الرمل يحتضن الكتاب برفق، وكأنه يدرك ثقل الكلمة التي “لو أنزلت على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا”. وفي هذا المشهد، تبرز الزهرة البيضاء الرقيقة (زنبقة البحر) كقلب القارئ الذي أزهر فجأة وسط هذا الصفاء. بياضها ليس مجرد لون، بل هو رمز للسكينة التي تتنزل على النفس حين تلامسها أنوار التنزيل. الزهرة تميل برأسها فوق الآيات، وكأنها تستمد عطرها من طيب الكلام، وتستمد بقاءها من فيض الهداية.
إنها لحظة “خلوة مع الله” في أكبر محراب بناه الخالق. النسيم الذي يمر بين الصفحات يداعب أطراف الورق، فيبدو المصحف وكأنه يتنفس مع الكون. في سورة هود، نجد النداء الصامد: “فاستقم كما أُمرت”، وهنا على الشاطئ، يبدو كل شيء مستقيمًا في مداره؛ الشمس لا تدرك القمر، والبحر لا يبغي على البر، والقلب يجد استقامته في هذه التلاوة.
يا له من تمازج فريد! حيث يلتقي أزرق السماء بصفاء الورق، وصوت الموج بترتيل اللسان. في هذه البقعة، يدرك الإنسان أنه ليس وحيدًا، فالكون كله “مُصلٍّ”. الرمل يسجد بصمته، والماء يسبح بحركته، والزهرة تسبح بجمالها، والمؤمن يسبح بقلبه. إن النص الذي نقرؤه في المصحف هو الحقيقة المطلقة التي تفسر لنا صمت الرمل وهياج الماء.
في ختام هذه الجلسة، يرحل الضوء وتغيب الشمس، لكن النور الذي انبعث من تلك الصفحات يبقى محفورًا في الوجدان. يترك القارئ مكانه، لكنه يترك خلفه دعوة صادقة أن يبقى قلبه كبياض تلك الزهرة، وثابتًا كعمق هذا البحر، ومستنيرًا بنور هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إن “ترتيل الرمل والماء” هو النشيد الذي لا ينقطع، هو القصة التي تبدأ بآية وتنتهي بيقين، هو الملاذ الذي نعود إليه كلما ضاقت بنا سبل الحياة، لنعرف أن الله قريب، وأن كلماته هي السفينة التي تعبر بنا لبر الأمان.
![]()
