الكاتبة عاليا عجيزة
ليلة القدر ليست مجرد رقمٍ في تقويمٍ هجري، ولا هي حدثٌ عابرٌ يمرُّ في حياة المؤمن كبقية الليالي. إنها “استراحةُ الوجود” من ضجيج المادة، ومحطةٌ مفصلية تتقاطع عندها خطوطُ السماء مع حكايات الأرض. في هذه الليلة، يتوقفُ الزمنُ عن قياس عمرنا بالأيام، ويبدأ بقياسه بالصِلات؛ باللحظة التي يسجد فيها العبدُ لربه، فينتقلُ من ضيق “الظرف الزماني” إلى سعة “المدد الرباني”.
عندما يحلُّ هذا المساء، تخلعُ الروحُ ثيابَها الدنيوية الثقيلة، تلك الأثواب المنسوجة من القلق، ومن سباقنا المحموم نحو أهدافٍ قد لا تُغني عنا شيئًا. في ليلة القدر، نعودُ إلى “الفطرة”؛ إلى ذلك الجزء الطاهر الذي لا يزال يسكن في أعماقنا. إنها ليلةُ التحرر من الأغلال؛ أغلال الذنوب، وأغلال التوقعات، وأغلال الخوف من الغد.
تأمل هذا المشهد: سكونٌ يلفُّ الكون، قمرٌ يراقب بهيبة، ومكانٌ يملؤه النور المتصاعد من قناديلِ الإيمان. في هذه الخلوة، لا نحتاج إلى كلماتٍ منمقة أو لغةٍ معقدة؛ فاللهُ يعلمُ ما في الصدور قبل أن تنطق به الشفاه. الجوهرُ هنا هو “الانكسار”؛ أن تأتي إلى باب ربك وأنت تشعر بضعفك، بحاجتك، بفقرك إليه، فتجدُ أن الغنى الحقيقي هو في هذا القرب.
إن “القدر” في هذه الليلة لا يعني أن الأمور مكتوبةٌ مسبقًا فحسب، بل يعني أنك “تستطيع” أن تُغير قدرك بدعائك. إنها الليلة التي يفتح فيها الملكوتُ أبوابه لمن أطال السجود، ولمن أسال دمعه في خلوته. هي ليلة “الترميم العظيم”؛ حيث تترمم الروحُ بعد تهشمها، ويجبرُ القلبُ بعد كسرِ خيبات الحياة.
تخيل أن الكون في هذه الليلة يضيقُ بالملائكة؛ ذلك النزول المكثف للقوى الروحية يغلف الأرضَ بطمأنينة لا يدركها إلا من تذوق حلاوة “المناجاة”. إنها ليلةٌ تُغسل فيها القلوب من أدرانها، وتُصقل فيها الأرواح لتصبح أكثر شفافيةً وقربًا من الخالق.
في نهاية المطاف، ليلة القدر هي “رسالةُ حبٍ” أبدية من الله إلى عباده، تخبرهم أن الباب لا يُغلق، وأن الفرصة لم تفت، وأن في قلبِ كلِّ عامٍ ليلةً يمكن أن تكون فيها “البداية الجديدة”. إنها دعوةٌ لنكون أفضل، لنصافح ذواتنا، لنغفر للآخرين، ولنصلح مسارنا نحو الغاية التي خُلقنا من أجلها.
فيا باحثًا عن النور في ليلةِ “خيرٍ من ألف شهر”، لا تفتش عن السر في كثرة الحركات، بل ابحث عنه في صدق النظرة، وفي خشوع القلب، وفي تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك، وللمرة الأولى، قد وجدتَ بيتك الحقيقي.. في حِضنِ رحمةِ الله.
![]()
