...
IMG 20260413 WA0012

 

الكاتبه إيمان شلاش

 

يُحكى أن رجلًا غنيًا أعلن عن مسابقة في البلاد جائزتها نصف ثروته لمن يستطيع أن يجعله يشعر بالسعادة، فأقبل عليه الشعراء وألقوا أجمل وأروع القصائد مشيدين بكرمه، ومفتخرين بشجاعته، ومكثرين من التغزل بصفاته الحميدة. ولما عجزوا عن إرضائه ظن الرسامون أن هذه فرصتهم فانهمروا عليه بأجمل اللوحات، فمنهم من رسمه قائدًا عظيمًا في ساحات المعارك، ومنهم من رسمه على هيئة أسد، وحال بهم الأمر كحال الشعراء إلى خارج القصر. فهمّ النحاتون والنجارون لصنع تمثال ضخم يحمل ملامحه، ولكنهم لم يوفقوا بذلك. مما زاد غضب وحزن الرجل الثري، فهو رغم وجود كل هذه الأموال إلا أنه لا يشعر بالسعادة.

وبعد أن انتشر الخبر في أرجاء المدينة، سمع هذا الخبر رجل سماك يصطاد السمك ويبيعه على ميناء المدينة، فتوجه إلى باب القصر لكي يقابل ذلك الرجل، ولأن رائحته كانت كريهة وثيابه كانت متسخة رفض الحراس أن يدخلوه إلى القصر. لكنه أصر على لقاء الرجل وكان يقف في كل يوم أمام قصره. وفي يوم سأل الرجل حراسه: من هذا الشاب الذي يجلس كل يوم أمام باب قصري؟

فأجابوه: هذا شاب يصطاد السمك ويبيعه، سمع بالجائزة وأراد مقابلتك لكننا رفضنا.

فغضب الرجل الثري وطلب من حراسه أن يسمحوا له بالدخول.

وعندما دخل السماك، سأله الرجل الثري: ماذا تريد؟

السماك: لقد سمعت أن هنالك جائزة كبيرة لمن يستطيع أن يجعلك سعيدًا أليس كذلك؟

أجابه الرجل الثري: نعم، وهل لديك ما يجعلني سعيدًا؟

السماك: لا.

تفاجأ الرجل: ماذا؟، إذًا لماذا أنت هنا؟

السماك: لكي أساعدك بالبحث عن سعادتك.

الرجل الثري: وكيف ذلك؟

السماك: سأصطحبك برحلة معي إلى ميناء هذه المدينة. ولكن عليك أن تقبل بكل ما أقوله لك. فوافق الرجل الثري.

وخرج السماك والرجل الثري من قصره، وركب الرجل الثري داخل العربة التي تجرها أجمل أحصنة المدينة. فقال له السماك: سنبدأ منذ هذه الخطوة، وستنفذ كل ما أطلبه منك.

فأجاب الرجل الثري: نعم بالتأكيد.

السماك: كيف ستشعر بالسعادة إذا لم تركب حصانك وتقوده إلى ما تريد؟

فعجبت هذه الفكرة الرجل، وطلب من الحراس أن يأتوا بحصانه من غير عربة وسيقوده هو بنفسه، وأن يأتوا بحصان آخر للسماك.

وفي الطريق سبق السماك الرجل الثري بقليل من الخطوات وطلب منه أن يتسابقوا بينهم، والذي يخسر الآخر سيصطاد هو السمك اليوم.

وبعد دقائق من المسابقة تغلب السماك بحصانه العادي على الرجل بحصانه الأصيل.

شعر الرجل بالغيظ ولكنه عرف أنه خسر ولابد أن ينفذ الشرط.

وعند وصولهم لصيد السمك، أعطى السماك السنارة لذلك الرجل الثري وطلب منه أن يبدأ بصيد السمك.

جلس الرجل الثري على حافة البحر ورمى سنارته وبدأ ينتظر… وينتظر… وينتظر.. حتى أوشك المغيب، وفقد الأمل وسيطر عليه الحزن. وعند اقتراب وقت الرحيل شعر بأن سنارته تتحرك بيده وكأنها تبشره بوجود سمكة، فتمسك بالسنارة جيدًا وسحبها إلى الأعلى وإذا بها سمكة صغيرة ذهبية اللون.

فرح الرجل كثيرًا وبدأ بالهتاف والصراخ بصوت عالٍ: لقد فعلتها…. لقد فعلتها.

كانت فرحة الرجل، فرحة لا توصف، فقد شعر بالسعادة بعد الانتظار، والفوز بعد فقدان الأمل.

عندها قال الرجل للسماك: لقد أحسنت وفزت في جعلي أشعر بالسعادة، فلك كما وعدتك نصف ثروتي.

فرفض السماك أن يأخذ هذا المبلغ من المال وقال: لو أن هذه الأموال تفيد، لما دفعتها بمقابل لحظات من السعادة. خذ أموالك، لا أريد أن أكسبها وأخسر سعادتي، وأجعل للفقراء منها نصيبًا، لعل الله يدخل السعادة لقلبك.

وبالفعل أدرك الرجل أن الأموال لا تصنع السعادة، لكنها في بعض الأحيان تساعد على وجود السعادة. فقرر الرجل بناء سفينة كبيرة لكي تغوص بالبحر أكثر ويستمتع بصيد السمك أكثر، وعيّن ذلك السماك بها، وأصبحت تلك السفينة باب رزق لكل شاب لا يملك عملًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *