الكاتبه خنساء محمد
ما كنتُ إلا قطعةً من العجين لا أقوى على فعل شيء، بريئةً لا تُحدث ضجةً ولا يحس بوجودي أحد، مطيعةٌ يفعلون بي ما يشاؤون، فلا أحدثهم ولا أعترض على كلامهم ولا يؤخذ برأيي في يوم.
رمى بيَ القدر ذات يومٍ في ظروفٍ قاسية، مررت فيها بأشد أنواع العذاب، فقد تم ضربي ووضعي على قارعة الطريق، على رمضاء النهار كسفينة الصحراء، تلسعني أشعة الشمس الحارقة، حتى يزداد حجمي ويرتفع معلنًا جاهزية استخدامي. فصلوني عن بقية إخوتي وأهلي، ورموا بي في زيت يقلي، فوق لهب من النيران التي تلسع جسدي الصغير، وأنا أُصارع ألمي ولسعات الزيت الحارقة، أقاوم الألم. وحين أرى إخوتي يلقون نفس مصيري من الألم، وليس في يدي ما أقدر على فعله لأجلهم إلا التظاهر بالصلابة والقوة، وأن أتراقص مع الزيت في فرحٍ مبينةً أن ما أمر به ليس بمؤلم إنما هو امتحانٌ لمدى تحملي. وبين كل لحظةٍ تمر بي من الألم يقوى جسدي ويصبح لا يشعر بما يمر به، أو سيمر، لأنه لن يكون أكثر صعوبةً من لهب النار وزيت يقلي ويفور ليأكل جسدي النحيل من فوقه، حتى يتغير لون جسدي إلى الأحمر أو الأصفر، ذلك اللون الذي يرغب فيه من رمى بي في ذلك الزيت وفي تلك النار.
وأبقى منتظرةً مصيري إلى أن أعجب من يراني، أو تتسابق الأيدي على أخذي، وأرى من لا يملك ثمن شرائي يتحسر على حظه ويتأفف لقدره.
أما رائحتي فهي تشق عنان السماء ليستنشقني كل قريب وبعيد، كأكسجين في الهواء. تلاحقني الأعين منذ لحظة خروجي، وأراها تشع نورًا، أما القلب فهو ينبض بقوةٍ فرحًا حين أختلط بدمه، وتتراقص المعدةُ لوصولها إليها بعد شوق ولهفة، فتنتهي رحلةُ عنائي هكذا وأنا بين أسنان تقضمني دون رحمة، ولكني سعيدةٌ لأنني سددت رمق أحدهم.
هكذا هي الحياة تمامًا تضرب بك وبأحلامك كثيرًا عرض الحائط، وتضعك في أحلك وأوعر الطرق التي تصنع منك، إما شخصًا قويًا يصارع الحياة ويتغلب عليها، ليصل إلى ذروة نجاحه، وإلى ما يريد ويطمح.
أو شخصًا ضعيفًا تتخبطه الحياة، وتكون نهايته نفقٌ مظلم، طريقٌ مسدود يمكث فيه إلى أن يلقى حتفه.
فأيهما تريد أيها الإنسان؟
هل تريد أن يصبح مصيرك كقطعةِ الزلابية؟
أم تحارب لتتقدم وتبني من نفسك شخصًا لا تهزه ريح
![]()
