كتبت: شروق مصطفى
ماذا يحدث عندما يكبر الطفل ويرى أباه البشري، لا الخارق؟
في حياة الأبناء أبطالٌ خارقون، أولهم الأب، وبشكل خاص لدى الإناث؛ فالأب هو فارس أحلامها الأول، ورجلها الأول الذي تستمد منه الحنان، والحب، والسند، والعطاء، وكل شيء.
أما الذكور، فالأب هو بابهم لمواجهة فوهة الحياة؛ يمضي ولا يبالي، فأباه معه.
لذلك، كان الأب دائمًا في مكانة البطل الخارق…
لكن، ماذا إن لم يكن الأب بطلًا خارقًا؟!
في مجتمعاتنا العربية، لدينا آفة في تربية الذكور منذ النشأة؛ إذ يُكرَّر على مسامعهم: “أنت رجل”، و”الرجل لا يبكي، لا يشتكي، لا يطلب دعمًا”، وكأن ذلك يخدش رجولته وينتقص منها!
وكأن الرجولة نُزعت من رحم الإنسانية، وكأن المشاعر تهمة لا تليق بالرجال!
علمونا أن الرجل لا يحق له أن يضعف، لا أن يشكو، ولا أن يبكي، حتى صار كثيرٌ منهم سجناءَ لكبتٍ داخليٍّ عميق.
الصدمة لا تعني الكراهية، بل بداية الفهم والتقبّل.
لطالما رأى الأبناء بعض تصرفات آبائهم مخزية، موجعة، بل لا تُغتفر أحيانًا؛ كتجاهل مشاعرهم وكأنها لا شيء يُذكَر، أو صمتٍ في غير محله، أو اختفاءٍ كلما احتاجوا سندًا.
فهل هذا نابع من قلة حب الأب لأبنائه؟
أم أن الحقيقة أكثر تعقيدًا؟
كثيرٌ من الآباء لا ينقصهم الحب، بل النضج العاطفي.
هم أبناء جيلٍ آخر، تربّى على القسوة أحيانًا، وعلى الكبت دومًا؛
“فالرجولة صمتٌ وجمود، ومن يخرج عن ذلك الإطار يُتَّهَم بالخواء…”
كيف نطلب من رجلٍ لم يُسمح له يومًا بالحوار والاعتراف بألمه، أن يُجيد مواساة غيره ويحاوره؟
هذه التصرفات ليست دومًا انعكاسًا لنيةٍ سيئة، بل هي ارتباكٌ من رجلٍ لم يكتمل إنسانيًّا كما يجب.
هي نتيجة زراعةِ الأمس، وإن كانت دون وعي، فهو لا يملك غيرها.
“أليس فاقد الشيء لا يُعطيه؟!”
أبي ليس خارقًا، بل إنسانٌ له ما له، وعليه ما عليه.
لكننا لا نحتاج إلى آباءٍ خارقين، بل آباءٍ بشرًا نفرح، ونحزن، ونتشارك معهم، ونجدهم حين نحتاج…
![]()
