الكاتبه عاليا عجيزة
في جوف الأرض، حيث لا تصل أشعة الشمس، ولا تجرؤ الرياح على الهبوب، يقع ذلك القبو الحجري العتيق الذي شهد ولادة ممالك وفناء أخرى. المكان ليس مجرد غرفة، بل هو محراب للسرية، صُمم بأعمدة رخامية ضخمة تآكلت أطرافها بفعل الزمن، لتبدو كأذرع عمالقة يحملون سقفًا من الصمت الثقيل. في المركز، تتربع طاولة دائرية ضخمة، نُقشت على سطحها رموز فلكية وخرائط لمسارات النجوم، وكأنها بوصلة تتحكم في مصير العالم الخارجي الذي لا يعلم عن وجودهم شيئًا.
يجلس حولها اثنا عشر كيانًا، ملتحفين بأثواب سوداء كالحلك، غابت ملامحهم خلف قلانس عميقة لا تسمح للضوء باختراقها. لا أحد يعرف هل هم من البشر، أم أنهم بقايا أرواح عُهد إليها بحراسة التوازن بين النور والظلام. يجلسون في صمت مطبق، صمت له ثقل الرصاص، لا يقطعه سوى فحيح الشموع القليلة الموزعة خلفهم، والتي ترسل ظلالًا مهتزة على الجدران الصخرية الباردة، وكأن تلك الظلال هي الأرواح الحقيقية التي تتخاطب فيما بينها.
طقوس الصمت المقدس
الأيدي الموضوعة على الطاولة ليست مجرد أطراف؛ إنها أدوات لإدارة القوة. هناك يد ترتجف قليلًا، كأنها تحمل ثقل ذنب قديم، وأخرى منبسطة بثبات يوحي بصرامة القرارات التي تُتخذ في هذه اللحظة. لم تنطق شفاههم بكلمة واحدة، فالتخاطب هنا يتم عبر اهتزازات الهواء، وعبر تلك الدائرة المحفورة في خشب الطاولة العتيق، والتي بدأت تتوهج ببريق باهت في مركزها، وكأنها تستجيب لتركيزهم الذهني المشترك.
خلفهم، تظهر منصات حجرية صغيرة تحمل كتبًا ضخمة، صفحاتها مصنوعة من جلد العتيق، كُتبت بمداد من دماء التاريخ. تلك هي سجلات “العهد المنسي”، حيث تُدون كل حركة وسكنة في العالم العلوي. إنهم “المراقبون”، الذين اختاروا العزلة في هذا الكهف المهيب ليقرروا مصير المدن الكبرى، والحروب التي يجب أن تنطفئ، والملوك الذين آن أوان رحيلهم.
صراع النور والظل
الأجواء مشبعة برائحة البخور العتيق الممزوج ببرودة الصخور الرطبة. الإضاءة الزرقاء الشاحبة التي تتسلل من فتحات علوية غير مرئية تمنح المشهد صبغة جنائزية مهيبة، وكأننا في انتظار وقوع معجزة أو كارثة. كل شمعة مشتعلة تمثل حياة قائد أو حلم أمة؛ وإذا انطفأت إحداها، سقط في العالم البعيد كيان عظيم.
“نحن الذين بلا أسماء، نحن الذين لا نملك وجوهًا، نحن حراس الحقيقة التي لا يطيق البشر رؤيتها. في دائرتنا يبدأ الزمن، وفي قبضتنا ينتهي.”
هذا هو لسان حالهم الصامت. إنهم يدركون أن جلستهم هذه ليست مجرد اجتماع، بل هي رباط وثيق يمنع الفوضى من اجتياح الأرض. القناطر المقوسة في الخلفية تبدو كب
![]()
