...
IMG 20260504 WA0015(1)

 

الكاتبه عاليا عجيزة

 

بخطواتٍ واثقةٍ رقيقة، كانت تقطع الممر الرخامي اللامع، الذي يعكس أضواء النجفات الكريستالية المتدلية كحبات الندى. لم يكن مجرد مطعم، بل كان تجسيدًا لحلم وردي رُسم بريشة فنان يعشق التفاصيل.

الجدران مكسوة بالمخمل البنفسجي الهادئ، تتداخل معه لمسات بيضاء ناصعة تمنح المكان اتساعًا وجمالية تخطف الأنفاس. وعلى جانبي الممر، كانت تفوح رائحة زهور “اللافندر” والياسمين، محاطة بدمى “دباديب” عملاقة من الفرو الناعم بألوان الباستيل، وكأنها حراس لمملكة من السكر والخيال.

كان ثوبها الوردي المنفوش يتطاير خلفها مع كل خطوة، وخاماته الحريرية تلمع تحت الإضاءة الخافتة. أما حقيبتها التي اتخذت شكل قطعة “مارشميلو” بيضاء، فقد أضافت لمسة من البراءة الساحرة، تجعل من يراها يظن أنها أميرة هاربة من قصر في “ديزني لاند”، قررت أن تمنح الواقع بعضًا من سحرها.

جلست على مقعدها الوثير الذي يشبه بتلة زهرة متفتحة، ووضعت حقيبتها بعناية بجانبها. كانت الطاولة مزينة بشموع عطرية صغيرة تنبعث منها نغمات دافئة. لم تمر سوى دقائق قليلة، حتى شعرت بظل يلقي بظلاله الرقيقة على المكان. رفعت بصرها لتجد شابًا يقف أمامها، يرتدي بدلة كلاسيكية سوداء تناسب قوامه الرشيق الممشوق، وعلى وجهه ابتسامة هادئة تحمل مزيجًا من المودة والتقدير.

انحنى بجسده في إيماءة ملكية، ومد يده الطويلة نحوها في دعوة صامتة لا تُرد. لم تتردد؛ وضعت يدها الصغيرة في كفه الدافئة، وشعرت برعشة خفيفة من الحماس تسري في جسدها. نهضت برقة، لتنساب مع أولى نغمات الموسيقى الهادئة التي بدأت تملأ المكان؛ كانت تلك المقطوعة المفضلة لديها، “الوايت فالس”، التي لطالما رقصت عليها في خيالها.

تلاقت الأعين في لغة لم تحتج إلى كلمات. لفّ ذراعه حول خصرها ببراعة، بينما تشبثت هي بكتفه، ليبدأا معًا رحلة قصيرة فوق بساط من الأحلام. كان الممر قد تحول في نظرهما إلى مسرح واسع، والجمهور الذي يراقب بصمت اختفى تمامًا من مخيلتهما.

الحركة الأولى: كانت خطواتهما متناغمة مع إيقاع الكمان الحزين والبيانو الراقص، وكأنهما طائران يحلقان في سماء بنفسجية.

التفاصيل: رائحة عطره الرجولي الهادئ اختلطت برائحة الزهور حولهما، مما خلق هالة من الرومانسية المطلقة.

الإحساس: كانت تشعر بأن الأرض لم تعد تحملها، بل هي الموسيقى التي ترفعها، وهو الأمان الذي يمنعها من السقوط.

ومع اقتراب المقطوعة من ذروتها، قام بتدويرها برفق، لتتطاير تنورتها الوردية بشكل دائري ساحر، محاكيةً ألوان الزهور الموزعة في أركان المطعم. في تلك اللحظة، لم يعد هناك فرق بين الواقع والخيال؛ فالديكور الطفولي الرومانسي صار هو الحقيقة الوحيدة، والحقيبة المارشميلو كانت الشاهد الصامت على ليلة لن تُنسى.

انتهت الموسيقى بتوقف مفاجئ وحنون، فأسندت رأسها على صدره لثانية واحدة، استنشقت فيها عبير اللحظة قبل أن يعيدها إلى مقعدها بنفس الرقي الذي بدأ به. انحنى مرة أخرى، وقبّل ظهر يدها هامسًا: “أنتِ أجمل من أي حكاية خرافية رُويت يومًا”.

عادت لتجلس، ولكن هذه المرة بقلب يخفق بقوة، وعينين تلمعان ببريق يتجاوز لمعان الكريستال فوق رأسها، مدركة أن هذا المطعم، وهذا اللون البنفسجي، وهذا الشاب، قد شكلوا معًا لوحة أبدية في ذاكرتها، لوحة تُثبت أن الأحلام قد تتحقق، ولو في ممر مطعم شيك، بين دباديب الباستيل وزهور الياسمين.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *