الكاتب أنور الهاملي
كانت كآبتي تمتزج بفراغي.
قلبي ساكن، وعيناي تتحركان… لكنهما لا تريان.
جسدي يعمل، وعقلي لا يفطن.
أسمع… لكن فقط لكي أنفّذ، بلا اعتراض ولا ألم.
وضعي لا يسمح لي أن أتكلم، ولم يولد بعد ذلك الشخص الذي يفهمني.
فقررت السفر مع أحد أصدقائي،
إلى أكبر مدينة… إلى الحصن الأول… إلى أول ناطحات السحاب…
إلى تلك الأرض الهادئة التي يقولون إن في جوفها براكين،
لكن أهلها لا يحملون ضغينة ولا عنصرية.
كل شيء فيها طيب، كأنها خارج نظام الدولة،
تمشي بنظام تلقائي؛ المحبة فيها منتشرة كالفيروس،
والناس يعملون كخلية نحل.
ومع ذلك… لم يكن هذا ما أريده في وضعي المشتّت.
في تمام الساعة الثامنة مساءً، وبعد وصولنا،
كنت أنا وصديقي نطوف في شوارع المدينة،
المزيّنة بأشجار منحوتة على شكل معدات ثقيلة،
وأخرى على هيئة ورود وكتب.
التقطنا بعض الصور، وكان الشارع خاليًا من المارة.
كنت أبحث في الأرجاء عن “دوائي” الذي جئت لأجله.
وفي نهاية الشارع… وجدته.
كان الضوء خافتًا أمام المكان، يبعث طمأنينة غريبة.
دخلت… ففوجئت باتساعه والعوالم التي يحتضنها.
لم أتمالك نفسي.
كانت تلك أول مرة أدخل فيها مكانًا كهذا:
مكتبة ضخمة، تضم كتبًا عربية وأجنبية، بلغات متعددة.
كان هناك ثلاثة أشخاص.
أحدهم حضرمي، أسود البشرة، طويل القامة،
يبدو عليه الاهتمام بالنظافة، حليق الرأس بلا لحية،
يرتدي بيجامة بيضاء بخطوط سوداء.
كان يتحدث مع صديقي، بينما كنت أنا أتنقّل بين الرفوف،
مندهشًا من كثرة الكتب وتنوّع ألوانها.
حين كلّمني، قدّم اقتراحاته بلطف.
لا أنكر… كان راقيًا.
يمتلك لغة غير لغتي؛ أركانها الهدوء والأدب،
لغة لا ترغب أن تصمت من شدة فصاحتها.
وعند الباب، كان الآخران يجلسان،
يشربان الشاي بالحليب، ويتبادلان الضحكات.
أردت أن أنضم إليهما… أن أعيش ذلك الدفء،
لكنني فضّلت أن أحافظ على كرامتي التي أقدّسها.
أخذت بعض الكتب وخرجت.
وأنا في الطريق، ظللت أفكر:
لماذا أنا عالق في دوامة الاكتئاب؟
وصلنا إلى الفندق.
لم أسمع ما قاله صديقي؛
كنت أرى تعابير وجهه تتحرك… دون أن أفهم.
ظللت أفكر.
وقبل أن أنام،
لم ألمس هاتفي، ولم أقرأ الكتب، ولم أتحدث مع أحد.
فقط… قررت.
قررت أن أغيّر حياتي جذريًا.
استسلمت للنوم،
وعند استيقاظي… استيقظت شخصًا مختلفًا.
قطعت وعدًا على نفسي:
ألا أفكر فيما ليس لي،
وأن أكون حبي الأول والأخير،
وأن أبحث عن ذاتي… وأعرف من أكون.
فهنا تبدأ المتعة.
أما من عاش ليعرف الآخرين…
فغالبًا ما ينتهي به المطاف خادمًا لتوقعاتهم.
![]()
