الكاتبه خنساء محمد
إلى الخرطوم…
ما زلتِ تشبهين الأمّ التي أنهكها البكاء،
لكنها تُخفي ارتجافة قلبها كي لا يسقط أبناؤها خوفًا.
نعرفكِ الآن من تعبكِ أكثر،
من الطرقات التي حفظت صوت الرصاص بدل ضحكات العابرين،
ومن النوافذ التي أغلقتها الحرب،
فصار الضوء يستأذن قبل الدخول.
يا مدينةً كانت تُشبه النيل حين يبتسم،
كيف أثقلوا روحكِ بكل هذا الرماد؟
وكيف تركوا قلبكِ وحيدًا
يقاوم الخراب بكل ما تبقّى فيه من حياة؟
لكنّ المدن العظيمة لا تموت بسهولة،
وأنتِ — رغم كل شيء —
ما زلتِ واقفةً في ذاكرة أبنائكِ،
كشجرةٍ جريحة
ترفض الانحناء للعاصفة.
سنعود إليكِ يومًا،
لا كغرباء نجوا من الحرب،
بل كأطفالٍ أضاعوا الطريق طويلًا،
ثم دلّهم الحنين على البيت.
ستعود المقاهي لضحكتها،
والشوارع لخطواتها القديمة،
وسيعود النيل يغسل عنكِ تعب السنوات،
كما تفعل الأمّ حين تمسح الغبار عن وجه طفلها.
أما الأمس…
فإن كان قد مرّ عليكِ مُثقلًا بالموت،
فالغد — بإذن الله —
سيأتيكِ خفيفًا كالدعاء،
دافئًا كالأمان بعد خوفٍ طويل.
وستبقين، يا الخرطوم،
وطنًا لا يُغادر القلب،
حتى حين نغادره مُكرهين.
![]()
