...
IMG 20260513 WA0029

 

 الكاتبة شيماء مجراب

 

في عالم الرعب لن تكون مجرد قارئ، أنت المحارب معنا في هذه الرحلة الشيقة.

نحط الرحال اليوم في بحيرة تشوتشيميلكو بالمكسيك، حيث لن تخرج حيًّا.

في صباح هذا اليوم أعد السيد ماتيو الفطور، المكون من جبن والقليل من الزبدة وزيت الزيتون، وأكل بشراهة. كانت تشير الساعة إلى الثانية ظهرًا، حينها اغتسل وجلس بحيرة يغتسل، ثم نهض وأخذ دمية كانت معلقة على غصن الشجرة، نظر إليها بحدة، ثم أخذها ودفنها تحت الأرض بالقرب من الشجرة، ثم تمتم بكلمات غير مفهومة: «إنهم قادمون قريبًا، إني أشم رائحة البشر».

في ناحية أخرى من الجزيرة كانت مجموعة من الشباب المغامرين يصطادون السمك من البحيرة.

كان الشاب الأول مكسيكي الأصل يقطن في أمريكا، يدعى أدريان، يملك أموالًا طائلة، يبدو في السابع والعشرين من عمره. أما أوفيليا فهي أقرب الصديقات إليه، كاتبة وممثلة مسرحية لها شعر أشقر وعيون بنية هادئة، كانت تعد السلطة. أما إيلينا، أمريكية وطبيبة نفسية، أتت إلى هذه الجزيرة لأول مرة برفقة أعز أصدقائها، كان لها اهتمامات عديدة، وأبرزها الصناعات التقليدية، كصناعة الحقائب بالخرز وصناعة الدمى.

وأخيرًا كلارا، فتاة إنجليزية لديها نمش في وجهها، كان لها جمال فاتن، وتعتقد هذه الأخيرة أن أدريان يحبها، أو على الأقل معجب بها، بينما هي تنظر إليه بحب.

كان هو مع إيلينا يصطادان بعض السمك، وفجأة التقط الكثير من السمك وباشر فورًا بتحضيره بحماس، ثم التفت إليهم وصاح: «يا رفاق، هلموا لنأكل السمك الطازج!».

بعد فراغهم من الأكل تحمست إيلينا وقفزت في البحيرة. كانت ترتدي ثوبًا أسودًا، أوقفتها كلارا وحذرتها من الغرق، لكنها اكتفت بابتسامة ساخرة ومضت في طريقها. في البداية سحرتهم جميعًا بمهاراتها، فقد كانت بطلة سباحة ماهرة في الجامعة. كان الرفاق مستمتعين، وفجأة هبت رياح قوية، حينها تقلبت الموازين وتدفقت المياه بسرعة أكبر. كان الرجل ماتيو يلاحظ الفتاة وهي تغرق بصمت من وراء شجرة. وعندما تدخل الأصدقاء لمساعدتها، باءت كل محاولاتهم بالفشل، وظلت الفتاة رافعة يدها وتصرخ بأعلى صوتها: «أرجو النجدة!».

كان الجميع يترقب نهاية حياتها، وفي لحظة مفاجئة دخل عليهم الزعيم ماتيو، أرعبتهم هيئته، كان رجلًا عجوزًا لكنه يشبه الدمى، كأنه رجل مطاطي، كان يمتطي الأرض بسرعة كبيرة، وقال بحماس: «تنحوا جانبًا».

فسحوا له المجال، ودخل البحيرة بكل جرأة وأنقذها، فقد أغمي عليها، واقترح عليهم المبيت عنده، فوافقوا من فورهم وشكروه.

واصلوا المسير بالقرب من العجوز، همز أدريان كلارا:

«هي أنتِ، أتلاحظين؟ أنا غير مرتاح للعجوز المسن، يشبه الدمى، ههه».

«كف عن هذا الهراء، هو من ساعدنا».

«تحبين أن تكوني مثالية في الأخلاق، آنسة كلارا، وتميلين إلى نوعك المفضل، أليس كذلك؟».

«اصمت حالًا».

«أوه، حسنًا، لا بأس».

كانت العجوز نانا تستقبلهم في المدخل الشرقي للبحيرة، حيث يقطن السيد ماتيو مع زوجته نانا. هي تبدو في الثلاثين من عمرها، على عكس زوجها الذي يبلغ ستين عامًا، وهو أول ما لاحظته كلارا.

كان قصرًا جميلًا أسود مخيفًا، وحوله البحيرة، كان جوًّا خلابًا سحرهم، مع الكثير من الأشجار والأعشاب والورود في الحديقة.

صرخت كلارا: «أرجوكم، أريد أن أجرب المنظر من فوق، هل تسمح لي بالصعود إلى رأس القصر؟ الإطلالة متميزة».

ابتسم العجوز: «نعم، بنيتي».

ورمقته نانا بنظرة ذات مغزى.

وصلت حتى آخر طابق من القصر، لقد سحرتها المياه الزرقاء العذبة، فخطرت لها فكرة القفز من هناك، لكنها اكتفت بالتحديق فقط، وكانت تدقق في كل صغيرة وكبيرة.

لكنها فجأة لمحت الكثير من الدمى المحترقة، بكل أشكالها وأنواعها، متفرقة على جذوع شجرة بالقرب من البحيرة. شعرت بالدوار وبدأت تصرخ بأعلى صوتها:

«أنقذوني؟؟؟؟!!!!».

هلم الجميع إليها، وجدوها على ركبتيها جاثية، وجهها محمر، عيناها متيقظتان متأهبتان، تلتفتان يمينًا ثم يسارًا، تكاد تموت. ركض أدريان وتفحصها وقال: «ما بك؟».

«أرجوك، لنذهب من هذا المكان».

«لكن لماذا؟».

«أرجوك، أدريان، هل تؤمن فعلًا بأن لي حاسة سادسة؟ إذن أرجوك أن تصدق كلامي… أرجوك».

وواصلت البكاء، لكنه وجه لها صفعة واحدة:

«أرجوك، استفيقي!».

نظرت إليه بنظرة خيبة، ومضت نحو غرفتها، ومنذ ذلك اليوم وهي صامتة، وقد باتت علاقتها بهم تنقطع، فقد أسموها «المجنونة».

كانت أوفيليا أشدهم حزنًا لحالتها، فقد فقدت جمالها وباتت شاحبة، وتهلوس بألفاظ: «سيقطعوننا ويعلقوننا على الشجر!».

في الليل حاولت إيلينا أن تجلب بعض الماء لشعورها بالعطش، فاضطرت للصعود إلى الأعلى، وعندها لاحظت أن النافذة مفتوحة. اقتربت أكثر دون أن تشعر بنفسها، كانت هناك مرآة واسعة في الغرفة، وحينها نظرت للمرآة مباشرة، فانبثق بريق أحمر متوهج من المرآة. في البداية لم تصدق ما رأته، وسرعان ما أرادت الفرار. شعرت بالدوار الشديد ولم تتحكم في نفسها، فخرجت للشرفة المطلة على البحيرة، فلاحظت أن المكان المعتم منير. استغربت من ذلك، فهو لم يكن يومًا منيرًا. حينها لاحظت العديد من الدمى بمختلف الأشكال والأحجام معلقة وملتفة حول أغصان الشجرة، وفي تلك اللحظة دفعها شخص ما من الشرفة فسقطت في البحيرة، وكانت تكاد تغرق.

واصطدمت بامرأة شريرة ترتدي زيًّا قصيرًا وشعرًا أحمر، تشبه نانا، لكنها كانت عجوزًا وليست شابة عكسها. أمسكتها من يدها وكانت تحاول إغراقها أكثر في البحيرة، فلاحظت أنها تضع أظافر اصطناعية، فاقتطفتها من لحم أصابعها، فبدأت المرأة في الصراخ، حتى تحولت إلى طفلة صغيرة تبكي، ثم إلى فتاة شابة تمامًا في هيئة نانا، ثم إلى صورة العجوز من جديد، وأخرجت سيفًا من ورائها فأصابتها في يدها، وانفجر دمها. لم تدرِ ماذا تفعل، فصعدت نحو الشجرة وأغصانها، فلاحظت أكثر من ألف دمية متفرقة في الشجرة، وكانت تسد فاهها بيدها من الدهشة.

واصلت الصعود، فكانت الدمية الأولى على شكل طفل صغير أشقر، ثم الدمية الثانية على شكل فتاة راشدة، يبدو أنها والدة الطفل.

«آه يا ربي، هذا ما يدل على أنهم قتلة!».

في تلك الأثناء كانت العجوز تبحث عنها، فأوشكت أن تدفعها من يدها، لولا أنها أخرجت سكينًا فابتعدت العجوز.

لاحظت إيلينا أنها تخاف من السكاكين.

واستمرت بالصعود، وكلما صعدت وجدت جثث دمى، وأخطأت ودعست على يد دمية، والتي وقفت، كانت فتاة تبدو في العاشرة من عمرها، شعرها أسود يبدو كأنه محروق ومتفرع إلى خمس طبقات متتالية. وفي تلك اللحظة ركلت إيلينا بمكعبة جليد، لكن الغريب أنها حمراء كالدم، في الواقع أن الدمى سلاحها مكعبات الدم المجمد.

وفي تلك اللحظة لحقت بها أوفيليا تركض وهي تقول: «المفتاح! المفتاح! ابحثي عنه يا إيلينا!».

لكن قبل أن تجده أصابتها بالمكعب وانبطحت أرضًا، وواصلت أوفيليا الركض، وكلما ركضت وجدت جثثًا أكبر، وزاد عددهم حتى التفوا جميعًا حولها، وكانت أولهم نانا.

عندها جميعًا التفتوا إلى الخلف، حيث الشعاع الذي وراءهم، كانت كلارا بيدها المرآة والمفتاح الذي كان يخفيه العجوز. حينها استدارت بالمرآة إليهم، وخروا جميعًا على الأرض منبطحين، لكن إيلينا كانت قد تلقت أكبر عدد من المكعبات، فانبطحت أرضًا معهم.

وهكذا علقت جميع جثثهم في الشجرة مرة أخرى، وأغلق القصر للأبد، القصر الذي فيه الجثث والأموات.

في ذلك القصر كان العجوز يقتل الناس ويحبسهم في الشجرة، لكنه أوقف مهنته لسنوات، ثم عاد إليها بمجرد أن شاهد دمية، فاعتبرها ابنته، وأنه يجب أن يقتل لأجلها.

هنا أغلقت باب حكاية مثيرة للجدل، وغادرت كلارا دون صديقتها، تركت فيها أثرًا لا يزول.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *