...
IMG 20260523 WA0012

بقلم / د. فتحى عبدالحميد 

 

لم يكن الطريق ممهدا بالورود ولا كانت السنوات رحيمة بأصحاب العقول التي أنهكتها المكتبات وأرهقتها الليالي الطويلة تحت ضوء البحث والسهر والأسئلة الكبرى

كان حملة الماجستير والدكتوراه في مصر أشبه بجزر متباعدة في بحر واسع

كل عقل يقاتل وحده

وكل باحث يحمل فوق كتفيه وطنا من الأحلام ثم يمضي في صمت ثقيل كأن العلم قدر فردي لا مشروع أمة

 

سنوات طويلة ظل فيها الباحث المصري كمن يزرع شجرة في صحراء ثم يجلس منتظرا المطر

يحمل شهادته كما يحمل الجندي وسامه بعد معركة دامية لكنه كثيرا ما كان يصطدم بواقع لا يجيد الإصغاء إلى لغة العلم ولا يمنح المعرفة المكانة التي تستحقها

 

تفرقوا بين الجامعات والمراكز البحثية والوظائف المؤقتة وأروقة الانتظار الطويل

وكانت المأساة الحقيقية أن أصحاب أعلى الدرجات العلمية كثيرا ما عاشوا غرباء داخل أوطانهم الفكرية

فلا مظلة تجمعهم

ولا كيان يحتوي طاقاتهم

ولا صوت يعبر عن آمالهم وآلامهم

 

ومع ذلك لم يمت الحلم

 

ظل هناك شيء يتوهج في الأعماق

شيء يشبه يقين الأنبياء حين يشتد الظلام

إيمان بأن العلم لا يجوز أن يبقى مبعثرا كأوراق الخريف وأن العقول إذا اجتمعت صنعت نهضة لا تقهر

 

ومن رحم هذا الإيمان بدأت الفكرة

فكرة لم تولد من رفاهية اجتماعية بل خرجت من قلب المعاناة نفسها

خرجت من وجع الباحثين ومن صمت الرسائل العلمية المركونة على الأرفف ومن أعمار كاملة أنفقت في تحصيل المعرفة ثم ترك أصحابها يواجهون الحياة فرادى

 

ثم جاء الميلاد

 

ميلاد الجمعية المصرية لرعاية حملة الماجستير والدكتوراه وتنمية المجتمع

لا بوصفها مجرد اسم إداري يضاف إلى قوائم الجمعيات بل باعتبارها محاولة لاستعادة الاعتبار للعلم ذاته وللإنسان الذي أفنى عمره في سبيله

 

إنها ليست كيانا ورقيا جامدا بل فكرة تتحول إلى وطن معنوي للباحثين

جسر يمتد بين العقول المتناثرة لتصبح قوة واعية قادرة على التأثير والبناء

وهي في جوهرها إعلان صريح بأن حملة الماجستير والدكتوراه ليسوا أرقاما هامشية في المجتمع بل ثروة قومية هائلة إذا أحسن توظيفها تغير وجه الوطن

 

لقد جاءت الجمعية المصرية لرعاية حملة الماجستير والدكتوراه وتنمية المجتمع لا لتكون مجرد إطار تنظيمي عابر بل لتصبح الدرع الآمن الذي يحتمي به الباحث بعد سنوات طويلة من الغربة العلمية والانتظار القاسي

 

جاءت لتقول لكل حامل ماجستير أو دكتوراه

لست وحدك بعد اليوم

 

فكم من عقل نابه أرهقته الطرقات المغلقة وكم من باحث حمل فوق كتفيه سنوات من الاجتهاد والكدح العلمي ثم وجد نفسه في مواجهة واقع لا ينصف العلم كما ينبغي

ومن هنا كان لا بد من كيان يحمل الصوت حين يخفت ويصون الحق حين يهمل ويمنح أصحاب الكفاءة سندا قانونيا ومؤسسيا يليق بمكانتهم العلمية

 

إن الجمعية تسعى لأن تكون الصوت المسموع لحملة الماجستير والدكتوراه واللسان الذي يعبر عن قضاياهم المشروعة والخطوات المستقيمة التي تسير بهم نحو مستقبل أكثر عدلا واستحقاقا

فهي لا تنظر إليهم باعتبارهم أصحاب شهادات فقط بل باعتبارهم طاقات وطنية قادرة على الإسهام الحقيقي في بناء الدولة وصناعة التنمية

 

ولهذا تعمل الجمعية بوصفها راعيا رسميا وداعما مؤسسيا ووكيلًا قانونيا وأدبيا في مساندة الباحثين والسعي نحو تمكينهم والدفاع عن حقوقهم المشروعة التي لا تقوم على المجاملة بل على الكفاءة والاستحقاق

 

ولعل من أهم تلك الحقوق العمل على المطالبة بالتعيين اللائق داخل الجهاز الإداري للدولة بما يتناسب مع المؤهلات العلمية الرفيعة التي حصلوا عليها بعد سنوات من البحث والتخصص

فالعقول التي اجتازت ميادين الدراسات العليا بجدارة لا ينبغي أن تبقى على هامش المؤسسات بينما تحتاج الدولة في كل يوم إلى الخبرة والمعرفة والتخطيط العلمي

 

كما تسعى الجمعية إلى فتح آفاق التدريب والتطوير العلمي والمهني وتأهيل الباحثين لمواكبة التطورات الحديثة في مجالات البحث العلمي وأساليب إعداد الدراسات والنشر الأكاديمي والتحليل العلمي وربط المعرفة النظرية باحتياجات المجتمع العملية

 

ولا تقف رسالتها عند حدود المطالب الوظيفية فحسب بل تمتد إلى بناء مجتمع علمي متماسك يشعر فيه الباحث أن له بيتا معنويا يحتويه ومنبرا يحفظ كرامته العلمية وكيانا يقف بجواره لا أمامه

 

فالجمعية تؤمن أن الباحث حين يشعر بالأمان والدعم والتقدير يتحول علمه من مجرد أوراق جامعية إلى قوة منتجة قادرة على خدمة الوطن

وأن حماية العقول ليست رفاهية اجتماعية بل ضرورة حضارية لأن الأمم التي تهمل علماءها تطفئ بأيديها مصابيح المستقبل

 

ومن هنا فإن الجمعية المصرية لرعاية حملة الماجستير والدكتوراه وتنمية المجتمع ليست مجرد جمعية أهلية بالمعنى التقليدي بل مشروع كرامة علمية ومحاولة جادة لإعادة الاعتبار إلى قيمة الباحث المصري حتى يصبح العلم طريقا للحياة الكريمة لا رحلة طويلة تنتهي عند أبواب الانتظار

 

فما بين التشتت والحلم ولد الكيان

وما بين المعاناة والإيمان بدأت الحكاية

أما الفصل القادم فسيكتبه العلم حين يجد من يؤمن به ويحمله من الأوراق إلى أرض الواقع ومن حدود الشهادات إلى اتساع الوطن

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *