...
IMG 20260616 WA0368

 

الكاتبه عاليا عجيزة

 

عبارة تلمس وترًا حساسًا في النفس البشرية: “أنا إنسانة أمشي بالدلع والحنية.. غيرها والله ما أمشي لو تسحبني سحب”، ومكتوب في زاوية النص كلمة “روقان”. هذه العبارة العفوية البسيطة تلخص فلسفة عميقة في التعامل الإنساني، وتفتح الباب لنقاش ممتد حول طبيعة العلاقات، وقوة اللين في مقابل ضعف القسوة والإجبار.

 

عند تأمل اللوحة الفنية المصاحبة للنص، نجد فتاة تبدو في حالة من السلام الداخلي والهدوء، تضع سماعات الموسيقى وتمارس عملًا منزليًا بسيطًا بابتسامة راضية.

 

هذا المشهد يجسد معنى “الروقان” والراحة النفسية التي تبحث عنها النفس البشرية، والتي لا يمكن تحقيقها إلا في بيئة قائمة على المودة والرفق.

 

الإنسان بطبيعته كائن عاطفي، جُبل على حب من أحسن إليه والنفور ممن قسا عليه. العبارة الواردة في الصورة تعبر بدقة عن هذا المبدأ النفسي؛ فالكلمة الطيبة واللمسة الحانية (أو ما أسمته العبارة بـ “الدلع والحنية”) ليست مجرد رفاهية عاطفية، بل هي الوقود الذي يحرك الإنسان ويدفعه للعطاء والإنتاج بروح طيبة.

 

عندما يحاول الآخرون قيادتنا أو توجيهنا باستخدام أسلوب “السحب” أو الإجبار والضغط، تتفعل غريزة المقاومة والدفاع عن الذات. حتى وإن نجح الإجبار في تحقيق طاعة ظاهرية مؤقتة، فإنه يخلق فجوة عميقة من الجفاء والنفور. الإنسان الذي يُقاد بالقسوة يتحول إلى آلة صامتة تؤدي المطلوب منها بلا روح ولا شغف، بينما الشخص الذي يُعامل باللين يستجيب طواعية وبكل حب.

 

تتجلى هذه الفلسفة في كافة مستويات العلاقات الإنسانية، سواء كانت عائلية، أو عاطفية، أو حتى في بيئة العمل:

 

في المحيط العائلي:

الأبناء الذين ينشؤون في بيئة تحتويهم بالحنان والكلمة المشجعة يكونون أكثر مرونة واستجابة للنصح مقارنة بالذين يتعرضون للنقد المستمر والأوامر الجافة.

 

في العلاقات العاطفية:

الحنية والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة هما الركيزة الأساسية لاستمرار المودة. التقدير والدلال المتبادل يجعل الصعاب تمر بسلام، ويمنح الشريكين طاقة لمواجهة ضغوط الحياة.

 

في بيئة العمل:

حتى القائد الذكي يعلم أن الموظف يمنح أفضل ما لديه عندما يشعر بالتقدير والاحترام، وليس تحت تهديد الخوف والخصم.

 

“الروقان” كنمط حياة

 

“روقان” تختصر الحالة الذهنية والنفسية التي يصل إليها الإنسان عندما يتحرر من ضغوط العلاقات السامة والتعاملات الجافة. الروقان هو أن تصنع عالمك الخاص المستقر، وأن تستمع للموسيقى، وأن تنجز مهامك بحب، وألا تسمح لأي طاقة سلبية أو أسلوب فظ بأن يعكر صفو مزاجك.

 

إن اختيار اللين لا يعني الضعف أبدًا؛ بل هو قمة القوة والوعي بالذات. الإنسان الذي يعرف أنه “يمشي بالحنية” هو شخص تصالح مع مشاعره، ووضع حدودًا واضحة للآخرين بأن مفتاح قلبه وعقله هو الاحترام والود، وأن أساليب الضغط والفرض لن تجدي معه نفعًا مهما بلغت شدتها.

 

في النهاية، تذكرنا هذه العبارة بقاعدة ذهبية في الفطرة الإنسانية: ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه. إذا أردت أن تكسب قلبًا، أو تغير سلوكًا، أو تبني علاقة مستدامة، فابدأ بالحنية والدلال، فباللين تُفتح الأقفال المستعصية التي تعجز عن فتحها قوى السحب والإجبار.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *