مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم (5)
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
لا أحد يملك أكثر من أربعٍ وعشرين ساعة في اليوم، ومع ذلك نجد أشخاصًا يحققون إنجازات كبيرة، بينما يشعر آخرون أن الوقت يسرق منهم أعمارهم دون أن يحققوا ما يتمنونه. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل المشكلة في قلة الوقت، أم في الطريقة التي نتعامل بها معه؟
في الحقيقة، الوقت لم يكن يومًا عدوًا للإنسان، لكنه يتحول إلى عدو عندما نهدره دون وعي. فكثير منا يبدأ يومه بنية إنجاز أعمال كثيرة، ثم يجد نفسه في نهاية اليوم لم ينجز إلا القليل، لأن الساعات ضاعت بين تصفح الهاتف، وتأجيل المهام، والانشغال بأمور لا تضيف شيئًا إلى حياته.
إن أخطر ما يميز الوقت أنه لا يعود. فالمال يمكن تعويضه، والوظيفة يمكن استبدالها، وحتى الأشياء المادية يمكن شراؤها مرة أخرى، أما الدقيقة التي تمر فلن تعود مهما حاول الإنسان. ولهذا فإن قيمة الوقت لا تُقاس بعدد ساعاته، بل بما نصنعه داخله.
ومن المؤسف أن البعض لا يدرك قيمة الوقت إلا بعد فوات الأوان. فالطالب يتمنى لو عاد به الزمن ليجتهد أكثر، والموظف يندم على سنوات ضاعت دون تطوير نفسه، والابن يكتشف بعد رحيل والديه أنه كان يستطيع أن يقضي معهما وقتًا أطول، والإنسان عمومًا يدرك متأخرًا أن أجمل اللحظات كانت تمر أمامه وهو منشغل بأشياء لا تستحق.
كما أن كثرة الانشغال لا تعني بالضرورة كثرة الإنجاز. فقد يقضي شخص يومه كله في الحركة والاجتماعات والرد على الرسائل، لكنه لم ينجز هدفًا حقيقيًا، بينما ينجز آخر أعماله في ساعات قليلة لأنه يعرف كيف يرتب أولوياته.
إن إدارة الوقت ليست مجرد مهارة مهنية، بل هي أسلوب حياة. فالإنسان الذي يحترم وقته يحترم عمره، ويحترم أحلامه، ويحترم من حوله أيضًا، لأنه يدرك أن كل دقيقة تضيع بلا فائدة هي جزء من حياته لن يعود أبدًا.
الحلول العملية والإيجابية
يمكن لأي إنسان أن يستعيد السيطرة على وقته إذا التزم ببعض الخطوات البسيطة.
أولًا: ابدأ يومك بخطة واضحة.
اكتب أهم ثلاث مهام تريد إنجازها قبل أي شيء آخر، ولا تسمح للأمور الثانوية بأن تسرق وقتك.
ثانيًا: ضع وقتًا محددًا لاستخدام الهاتف.
وسائل التواصل الاجتماعي قد تستهلك ساعات دون أن نشعر. لذلك خصص لها وقتًا معينًا، ولا تجعلها تسيطر على يومك.
ثالثًا: نفذ أصعب مهمة في بداية اليوم.
عندما تنتهي من المهمة الأصعب، ستشعر بالحماس لإكمال بقية الأعمال، بدلًا من تأجيلها حتى تتراكم.
رابعًا: تعلم أن تقول “لا”.
ليس كل طلب يجب أن توافق عليه، وليس كل دعوة يجب أن تلبيها. حماية وقتك مسؤوليتك أنت.
خامسًا: خصص وقتًا لأسرتك ولنفسك.
إدارة الوقت لا تعني العمل فقط، بل تعني أيضًا منح من تحبهم حقهم، والاهتمام بصحتك وراحتك، لأن النجاح الحقيقي هو التوازن بين جميع جوانب الحياة.
أمثلة من الواقع
طالب كان يؤجل مذاكرته كل يوم بحجة أن أمامه وقتًا طويلًا، حتى اقترب موعد الامتحانات، فوجد نفسه تحت ضغط شديد. ولو أنه خصص ساعتين فقط يوميًا منذ البداية، لكانت المذاكرة أسهل والنتائج أفضل.
وفي إحدى الشركات، كان موظف يصل إلى العمل مبكرًا لكنه يقضي جزءًا كبيرًا من يومه في متابعة هاتفه. وعندما بدأ بتنظيم وقته وإغلاق الإشعارات أثناء العمل، تضاعف إنتاجه، وأصبح ينهي مهامه قبل موعدها.
ورجل أعمال ناجح سُئل عن سر إنجازاته، فقال: “أنا لا أملك وقتًا أكثر من غيري، لكنني لا أسمح للأشياء غير المهمة أن تسرق وقت الأشياء المهمة.”
هذه الأمثلة تؤكد أن النجاح لا يعتمد على عدد الساعات، وإنما على حسن استغلالها.
الرؤية الإسلامية
أولى الإسلام أهمية عظيمة للوقت، لأنه نعمة ومسؤولية سيُسأل عنها الإنسان.
قال الله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[سورة العصر]
وقال سبحانه:
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
[سورة الشرح: 7-8]
وتوضح هذه الآيات أن الوقت رأس مال الإنسان، وأن المسلم مطالب باستثماره في العمل النافع والطاعة والخير.
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ:
«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.»
(رواه البخاري)
وقال ﷺ:
«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه…»
(رواه الترمذي)
وهذه الأحاديث تذكر الإنسان بأن عمره أمانة، وأن كل لحظة يقضيها ستكون موضع سؤال ومحاسبة.
الرؤية المسيحية
كما يؤكد الكتاب المقدس أهمية استثمار الوقت في الخير.
جاء في رسالة أفسس:
«مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة.»
(أفسس 5: 16)
وجاء في سفر الجامعة:
«لكل شيء زمان، ولكل أمر تحت السماوات وقت.»
(الجامعة 3: 1)
من تعاليم السيد المسيح والرسل
قال السيد المسيح:
«ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار. يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل.»
(يوحنا 9: 4)
وقال الرسول بولس:
«فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق، لا كجهلاء بل كحكماء، مفتدين الوقت.»
(أفسس 5: 15-16)
وتؤكد هذه التعاليم أن الوقت عطية ثمينة، وأن الحكمة الحقيقية تكمن في استثماره فيما ينفع الإنسان والآخرين.
خاتمة
إن الوقت لا ينتظر أحدًا، ولا يمنح فرصة ثانية للدقائق التي ضاعت. وكل يوم يمر هو صفحة جديدة من أعمارنا، نكتبها بأفعالنا واختياراتنا. لذلك، لا تجعل يومك يمضي وأنت تؤجل أحلامك، أو تؤخر واجباتك، أو تنشغل بما لا يفيد. فالنجاح لا يولد من وفرة الوقت، بل من حسن استغلاله، ومن يدرك قيمة وقته اليوم، سيحصد ثمرة ذلك غدًا.
![]()
