...
IMG 20260708 WA0012

مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد

مقال اليوم رقم 7

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

نعيش اليوم في زمن يمتلئ بالكلمات والرسائل والمنشورات والتعليقات والأخبار التي لا تتوقف حتى أصبح الضجيج جزءا من حياتنا اليومية ومع كثرة هذا الضجيج بدأ الصمت يختفي شيئا فشيئا وأصبح كثير من الناس يخشون الجلوس مع أنفسهم أو قضاء وقت هادئ بعيدا عن الهواتف والشاشات

 

الصمت ليس ضعفا كما يظن البعض وليس علامة على عدم القدرة على الرد بل قد يكون في كثير من الأحيان دليلا على الحكمة وقوة الشخصية فالإنسان الحكيم يعرف متى يتحدث ويعرف أيضا متى يكون الصمت أفضل من الكلام لأن كل كلمة تخرج لا يمكن إعادتها بينما الصمت يمنح الإنسان فرصة للتفكير واختيار ما يناسب الموقف

 

وللأسف أصبح البعض يعتبر كثرة الكلام دليلا على القوة بينما الحقيقة أن كثيرا من المشكلات التي نعيشها اليوم كان يمكن تجنبها لو اختار أصحابها الصمت في لحظة غضب أو انفعال فكم من أسرة تفككت بسبب كلمة قيلت دون تفكير وكم من صداقة انتهت بسبب تعليق لم يكن له داع وكم من علاقة عمل انتهت لأن أحد الطرفين لم يمنح نفسه دقيقة واحدة ليفكر قبل أن يتحدث

 

وفي المقابل فإن الصمت في الوقت المناسب قد ينقذ المواقف الصعبة ويمنح الجميع فرصة للهدوء وإعادة التفكير فالإنسان عندما يغضب يكون أكثر عرضة لقول ما يندم عليه لاحقا أما إذا صمت قليلا حتى تهدأ مشاعره فإنه غالبا سيختار كلمات أكثر حكمة واحتراما

 

لكن هذا لا يعني أن الصمت مطلوب في كل الأحوال فهناك مواقف يصبح فيها الصمت خطأ مثل السكوت عن الظلم أو ترك الحق يضيع أو الامتناع عن نصح من نحبهم ولذلك فإن الحكمة الحقيقية ليست في الصمت دائما ولا في الكلام دائما وإنما في معرفة الوقت المناسب لكل منهما

 

إن المجتمع يحتاج إلى أشخاص يعرفون قيمة الكلمة ويعرفون أيضا قيمة الصمت لأن التوازن بينهما هو الذي يصنع العلاقات الناجحة ويمنح الإنسان الاحترام بين الناس

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أولا لا تتحدث وأنت غاضب

 

إذا شعرت بالغضب امنح نفسك دقائق قليلة قبل الرد وستجد أن كثيرا من الكلمات التي كنت تريد قولها لم تعد تستحق أن تقال

 

ثانيا استمع أكثر مما تتحدث

 

فالإنسان يتعلم عندما يستمع أما إذا ظل يتحدث طوال الوقت فلن يضيف إلى معرفته شيئا جديدا

 

ثالثا اجعل لك وقتا يوميا من الهدوء

 

ابتعد عن الهاتف والتلفاز وكل مصادر الضجيج واجلس مع نفسك وفكر في يومك وأهدافك وأخطائك وكيف يمكنك أن تصبح أفضل

 

رابعا لا تدخل في كل نقاش

 

ليست كل معركة تستحق أن تخوضها وليس كل تعليق يستحق الرد عليه فأحيانا يكون التجاهل هو أفضل رد

 

خامسا استخدم كلماتك فيما ينفع

 

إذا قررت أن تتحدث فاجعل كلامك يحمل فائدة أو نصيحة أو تشجيعا أو دعما للآخرين ولا تجعل لسانك وسيلة لإيذاء الناس

 

أمثلة من الواقع

 

في إحدى الشركات حدث خلاف بين موظفين وأراد كل منهما أن يثبت أنه على حق فاختار أحدهما الصمت حتى يهدأ الموقف وبعد ساعات جلسا معا وتحولا من خصمين إلى زميلين متفاهمين لأن الصمت المؤقت منع الخلاف من أن يكبر

 

وفي أسرة أخرى غضب أب من ابنه بسبب تصرف خاطئ وكاد أن يقول كلمات قاسية لكنه فضل أن يؤجل الحديث حتى صباح اليوم التالي وبعد أن هدأ شرح الخطأ لابنه بهدوء فخرج الابن مستفيدا دون أن يشعر بالإهانة

 

كما أن أحد الأصدقاء تعرض لإساءة على مواقع التواصل الاجتماعي وكان يستطيع الرد بكلمات أشد لكنه اختار تجاهل الإساءة ومع مرور الأيام أدرك الجميع من كان على حق بينما احتفظ هو باحترامه وهدوئه

 

هذه المواقف تؤكد أن الصمت في الوقت المناسب ليس هروبا وإنما تصرف يدل على النضج والحكمة

 

الرؤية الإسلامية

 

حث الإسلام على حفظ اللسان وعدم الإكثار من الكلام الذي لا فائدة منه

 

قال الله تعالى

 

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

 

سورة ق الآية 18

 

وقال سبحانه

 

﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

 

سورة الإسراء الآية 53

 

وتبين هذه الآيات أن الإنسان مسؤول عن كل كلمة يقولها وأن اختيار الكلام الحسن من علامات الإيمان وحسن الخلق

 

من الأحاديث النبوية الصحيحة

 

قال رسول الله ﷺ

 

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت

 

متفق عليه

 

وقال ﷺ

 

إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار

 

رواه الترمذي وصححه أهل العلم بمعناه

 

وتوضح هذه الأحاديث أن الصمت في كثير من الأحيان خير من الكلام الذي يسبب الأذى

 

الرؤية المسيحية

 

يدعو الكتاب المقدس إلى الحكمة في الكلام وضبط اللسان

 

جاء في سفر الجامعة

 

للسكوت وقت وللتكلم وقت

 

الجامعة الإصحاح الثالث العدد السابع

 

وجاء في سفر الأمثال

 

كثرة الكلام لا تخلو من معصية أما الضابط شفتيه فعاقل

 

أمثال الإصحاح العاشر العدد التاسع عشر

 

من تعاليم السيد المسيح والرسل

 

قال السيد المسيح

 

من فضلة القلب يتكلم الفم

 

متى الإصحاح الثاني عشر العدد الرابع والثلاثون

 

وقال الرسول يعقوب

 

ليكن كل إنسان مسرعا في الاستماع مبطئا في التكلم مبطئا في الغضب

 

يعقوب الإصحاح الأول العدد التاسع عشر

 

وتؤكد هذه التعاليم أن الحكمة تبدأ من السيطرة على اللسان وأن الإنسان الناضج يعرف متى يتحدث ومتى يلتزم الصمت

 

خاتمة

 

ليس كل صمت ضعفا وليس كل كلام قوة فالكلمة التي تخرج في وقتها قد تبني إنسانا والصمت في وقته قد ينقذ علاقة ويمنع خصاما ويطفئ غضبا فإذا تعلمنا متى نتحدث ومتى نصمت سنكسب احترام الناس وسنعيش حياة أكثر هدوءا واتزانا لأن الحكمة الحقيقية ليست في كثرة الكلام وإنما في حسن اختيار الوقت المناسب له

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *