...
IMG 20260805 WA0010

مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد

مقال اليوم رقم 10

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

 

يمر الإنسان في حياته بأيام يشعر فيها أن كل الأبواب قد أغلقت وأن الطريق أصبح أكثر صعوبة من قدرته على التحمل وفي لحظات الألم قد يبدو المستقبل غامضا وقد يشعر الإنسان أنه لن يستطيع تجاوز ما يمر به لكن الحقيقة التي يجب ألا ننساها هي أن أصعب اللحظات ليست بالضرورة نهاية الحكاية بل قد تكون بداية لمرحلة جديدة لم نكن نتوقعها

 

الأمل لا يعني أن نتجاهل الواقع أو نتظاهر بأن كل شيء بخير بينما نحن نتألم بل يعني أن نعترف بصعوبة ما نمر به ثم نؤمن بأن هذه الصعوبة يمكن أن تتغير وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد حتى لو لم يستطع تغيير كل الظروف من حوله

 

وقد يكون الأمل أحيانا في صورة بسيطة جدا فقد يكون في شخص يمد يده لمساعدة إنسان يمر بأزمة وقد يكون في كلمة طيبة يسمعها شخص فقد ثقته بنفسه وقد يكون في فرصة جديدة تأتي بعد سنوات من الانتظار وقد يكون في قرار صغير يتخذه الإنسان ليغير حياته خطوة بعد خطوة

 

إن المشكلة أن الإنسان عندما يمر بأزمة طويلة يبدأ في التفكير وكأن ما يعيشه اليوم سيستمر إلى الأبد فينسى أن الحياة متغيرة وأن الظروف لا تبقى على حالها وأن الإنسان نفسه يتغير مع مرور الأيام فكم من شخص ظن أنه لن يخرج من أزمته ثم خرج منها وكم من إنسان اعتقد أن حلمه انتهى ثم وجد طريقا جديدا لم يكن يخطر على باله

 

والأمل لا يصنع المعجزات وحده لكنه يمنح الإنسان القدرة على المحاولة فالإنسان اليائس يرى العقبات فقط أما الإنسان الذي يحمل الأمل فإنه يرى العقبة ثم يبدأ في البحث عن طريق لتجاوزها

 

ومن أعظم صور الأمل أن يتعلم الإنسان كيف يبدأ من جديد فبعض الناس يظنون أن البداية الجديدة تعني العودة إلى نقطة الصفر لكن الحقيقة أن الإنسان عندما يبدأ من جديد لا يعود كما كان لأنه يحمل معه خبراته وأخطاءه ودروسه وكل ما تعلمه من الطريق السابق

 

قد يخسر الإنسان وظيفة لكنه يستطيع أن يتعلم مهارة جديدة وقد تنتهي علاقة لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يحافظ على نفسه ويختار علاقاته بشكل أفضل وقد يفشل مشروع لكنه يستطيع أن يبدأ مشروعا آخر بعد أن يعرف أسباب الفشل الأول وقد يمر الإنسان بمرض أو أزمة صعبة تجعله يعيد ترتيب أولوياته ويكتشف قيمة أشياء كان يعتبرها عادية

 

ولهذا فإن الأمل لا يعني انتظار أن تتغير الحياة وحدها بل يعني أن نكون جزءا من التغيير وأن نتحرك بما نستطيع حتى لو كانت خطواتنا صغيرة

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أولا توقف عن التفكير في كل المستقبل دفعة واحدة

 

عندما تواجه مشكلة كبيرة لا تسأل نفسك كيف سأحل كل شيء بل اسأل ما الخطوة التي أستطيع القيام بها اليوم فحل المشكلات الكبيرة يبدأ دائما بخطوات صغيرة

 

ثانيا تحدث مع شخص تثق به

 

لا تحمل كل شيء وحدك فالكلام مع شخص حكيم ومحب قد يساعدك على رؤية الأمور من زاوية مختلفة وقد يمنحك دعما تحتاج إليه في وقت صعب

 

ثالثا ضع لنفسك أهدافا صغيرة

 

إذا كنت تمر بمرحلة صعبة فلا تضغط على نفسك لتحقيق أهداف ضخمة ابدأ بشيء بسيط تستطيع إنجازه ثم انتقل إلى خطوة أخرى ومع كل إنجاز ستشعر أن قدرتك على الاستمرار تزداد

 

رابعا تذكر أنك تجاوزت أشياء صعبة من قبل

 

انظر إلى حياتك وتذكر المواقف التي ظننت أنك لن تتجاوزها ثم تجاوزتها فهذا يذكرك بأنك أقوى مما تتخيل

 

خامسا ابتعد عن الأشخاص الذين يطفئون الأمل داخلك

 

هناك أشخاص لا يرون إلا الجانب المظلم من الحياة ويجعلونك تشعر أن كل محاولة لا فائدة منها لذلك اختر من يحيطون بك بعناية

 

سادسا اجعل علاقتك بالله مصدر قوة

 

فالإنسان قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها أن قدرته محدودة وأن الحلول أمامه قليلة وهنا تأتي الطمأنينة التي يمنحها الإيمان والثقة بالله

 

أمثلة من الواقع

 

شاب فقد وظيفته بعد سنوات من العمل وشعر أن مستقبله انتهى لكنه قرر استغلال فترة البحث عن عمل في تعلم مهارة جديدة وبعد عدة أشهر حصل على فرصة أفضل من وظيفته السابقة ولو أنه استسلم لليأس لما اكتشف الطريق الجديد

 

وامرأة مرت بظروف أسرية صعبة جعلتها تشعر أنها فقدت قدرتها على الاستمرار لكنها بدأت تهتم بنفسها وتتعلم شيئا جديدا وتعيد بناء حياتها خطوة بعد خطوة حتى أصبحت أكثر قوة واستقرارا

 

وطالب أخفق في امتحان مهم وشعر أن مستقبله الدراسي انتهى لكنه أعاد المحاولة ودرس بطريقة مختلفة حتى نجح في المرة التالية وأصبح فشله الأول سببا في أن يتعلم كيف يواجه الفشل بطريقة أفضل

 

ورجل خسر مشروعا كان قد وضع فيه سنوات من الجهد لكنه لم يعتبر الخسارة نهاية حياته بل جلس ليدرس أسبابها ثم بدأ مشروعا جديدا أكثر تنظيما وخبرة

 

هذه المواقف تؤكد أن الأمل لا يلغي الألم لكنه يمنع الألم من أن يتحول إلى استسلام

 

الرؤية الإسلامية

 

جاء الإسلام ليغرس في قلب الإنسان الأمل وعدم اليأس من رحمة الله مهما اشتدت الظروف

 

قال الله تعالى

 

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

 

سورة الزمر الآية 53

 

وقال سبحانه

 

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

 

سورة الشرح الآيتان 5 و6

 

وتعلمنا هذه الآيات أن العسر لا يستمر إلى الأبد وأن رحمة الله أوسع من كل ألم وأن الإنسان مهما ابتعد يستطيع أن يعود ومهما اشتدت عليه الظروف يستطيع أن ينتظر الفرج ويعمل من أجله

 

من الأحاديث النبوية الصحيحة

 

قال رسول الله ﷺ

 

عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له

 

رواه مسلم

 

وقال ﷺ

 

واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا

 

رواه الترمذي وصححه الألباني

 

وتمنحنا هذه الأحاديث نظرة مختلفة إلى الأزمات فهي تعلمنا أن الصبر ليس استسلاما وأن الإنسان يستطيع أن يخرج من المحنة أكثر قوة وخبرة وأن الفرج قد يأتي بعد أشد لحظات الكرب

 

الرؤية المسيحية

 

يدعو الكتاب المقدس إلى الرجاء والثقة وعدم الاستسلام أمام الضيق

 

جاء في رسالة رومية

 

فرحين في الرجاء صابرين في الضيق مواظبين على الصلاة

 

رومية الإصحاح الثاني عشر العدد الثاني عشر

 

وجاء في رسالة رومية أيضا

 

الرجاء لا يخزي

 

رومية الإصحاح الخامس العدد الخامس

 

من تعاليم السيد المسيح والرسل

 

قال السيد المسيح

 

تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم

 

متى الإصحاح الحادي عشر العدد الثامن والعشرون

 

وقال الرسول بولس

 

لأننا بالرجاء خلصنا ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضا

 

رومية الإصحاح الثامن العدد الرابع والعشرون

 

وتؤكد هذه التعاليم أن الإنسان يستطيع أن يجد قوة في الإيمان والرجاء وأن الضيق مهما كان قاسيا لا ينبغي أن يكون سببا في فقدان الأمل

 

خاتمة

 

قد تمر علينا أيام نشعر فيها أن الحياة أغلقت أبوابها كلها لكن باب الأمل يظل موجودا ما دام الإنسان قادرا على أن يحاول من جديد فلا تجعل لحظة صعبة تحكم على حياتك كلها ولا تجعل فشلا واحدا يحدد مستقبلك ولا تسمح لألم مؤقت أن يقنعك بأن الحياة لن تتغير

 

اصنع الأمل من داخلك بخطوة صغيرة وبقرار جديد وبثقة في الله وبإيمان أنك قادر على النهوض مهما كان سقوطك

 

فربما يكون الطريق الذي تخشاه اليوم هو نفسه الطريق الذي سيقودك غدا إلى المكان الذي كنت تحلم بالوصول إليه

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *