مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم 10
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
يمر الإنسان في حياته بأيام يشعر فيها أن كل الأبواب قد أغلقت وأن الطريق أصبح أكثر صعوبة من قدرته على التحمل وفي لحظات الألم قد يبدو المستقبل غامضا وقد يشعر الإنسان أنه لن يستطيع تجاوز ما يمر به لكن الحقيقة التي يجب ألا ننساها هي أن أصعب اللحظات ليست بالضرورة نهاية الحكاية بل قد تكون بداية لمرحلة جديدة لم نكن نتوقعها
الأمل لا يعني أن نتجاهل الواقع أو نتظاهر بأن كل شيء بخير بينما نحن نتألم بل يعني أن نعترف بصعوبة ما نمر به ثم نؤمن بأن هذه الصعوبة يمكن أن تتغير وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد حتى لو لم يستطع تغيير كل الظروف من حوله
وقد يكون الأمل أحيانا في صورة بسيطة جدا فقد يكون في شخص يمد يده لمساعدة إنسان يمر بأزمة وقد يكون في كلمة طيبة يسمعها شخص فقد ثقته بنفسه وقد يكون في فرصة جديدة تأتي بعد سنوات من الانتظار وقد يكون في قرار صغير يتخذه الإنسان ليغير حياته خطوة بعد خطوة
إن المشكلة أن الإنسان عندما يمر بأزمة طويلة يبدأ في التفكير وكأن ما يعيشه اليوم سيستمر إلى الأبد فينسى أن الحياة متغيرة وأن الظروف لا تبقى على حالها وأن الإنسان نفسه يتغير مع مرور الأيام فكم من شخص ظن أنه لن يخرج من أزمته ثم خرج منها وكم من إنسان اعتقد أن حلمه انتهى ثم وجد طريقا جديدا لم يكن يخطر على باله
والأمل لا يصنع المعجزات وحده لكنه يمنح الإنسان القدرة على المحاولة فالإنسان اليائس يرى العقبات فقط أما الإنسان الذي يحمل الأمل فإنه يرى العقبة ثم يبدأ في البحث عن طريق لتجاوزها
ومن أعظم صور الأمل أن يتعلم الإنسان كيف يبدأ من جديد فبعض الناس يظنون أن البداية الجديدة تعني العودة إلى نقطة الصفر لكن الحقيقة أن الإنسان عندما يبدأ من جديد لا يعود كما كان لأنه يحمل معه خبراته وأخطاءه ودروسه وكل ما تعلمه من الطريق السابق
قد يخسر الإنسان وظيفة لكنه يستطيع أن يتعلم مهارة جديدة وقد تنتهي علاقة لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يحافظ على نفسه ويختار علاقاته بشكل أفضل وقد يفشل مشروع لكنه يستطيع أن يبدأ مشروعا آخر بعد أن يعرف أسباب الفشل الأول وقد يمر الإنسان بمرض أو أزمة صعبة تجعله يعيد ترتيب أولوياته ويكتشف قيمة أشياء كان يعتبرها عادية
ولهذا فإن الأمل لا يعني انتظار أن تتغير الحياة وحدها بل يعني أن نكون جزءا من التغيير وأن نتحرك بما نستطيع حتى لو كانت خطواتنا صغيرة
الحلول العملية والإيجابية
أولا توقف عن التفكير في كل المستقبل دفعة واحدة
عندما تواجه مشكلة كبيرة لا تسأل نفسك كيف سأحل كل شيء بل اسأل ما الخطوة التي أستطيع القيام بها اليوم فحل المشكلات الكبيرة يبدأ دائما بخطوات صغيرة
ثانيا تحدث مع شخص تثق به
لا تحمل كل شيء وحدك فالكلام مع شخص حكيم ومحب قد يساعدك على رؤية الأمور من زاوية مختلفة وقد يمنحك دعما تحتاج إليه في وقت صعب
ثالثا ضع لنفسك أهدافا صغيرة
إذا كنت تمر بمرحلة صعبة فلا تضغط على نفسك لتحقيق أهداف ضخمة ابدأ بشيء بسيط تستطيع إنجازه ثم انتقل إلى خطوة أخرى ومع كل إنجاز ستشعر أن قدرتك على الاستمرار تزداد
رابعا تذكر أنك تجاوزت أشياء صعبة من قبل
انظر إلى حياتك وتذكر المواقف التي ظننت أنك لن تتجاوزها ثم تجاوزتها فهذا يذكرك بأنك أقوى مما تتخيل
خامسا ابتعد عن الأشخاص الذين يطفئون الأمل داخلك
هناك أشخاص لا يرون إلا الجانب المظلم من الحياة ويجعلونك تشعر أن كل محاولة لا فائدة منها لذلك اختر من يحيطون بك بعناية
سادسا اجعل علاقتك بالله مصدر قوة
فالإنسان قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها أن قدرته محدودة وأن الحلول أمامه قليلة وهنا تأتي الطمأنينة التي يمنحها الإيمان والثقة بالله
أمثلة من الواقع
شاب فقد وظيفته بعد سنوات من العمل وشعر أن مستقبله انتهى لكنه قرر استغلال فترة البحث عن عمل في تعلم مهارة جديدة وبعد عدة أشهر حصل على فرصة أفضل من وظيفته السابقة ولو أنه استسلم لليأس لما اكتشف الطريق الجديد
وامرأة مرت بظروف أسرية صعبة جعلتها تشعر أنها فقدت قدرتها على الاستمرار لكنها بدأت تهتم بنفسها وتتعلم شيئا جديدا وتعيد بناء حياتها خطوة بعد خطوة حتى أصبحت أكثر قوة واستقرارا
وطالب أخفق في امتحان مهم وشعر أن مستقبله الدراسي انتهى لكنه أعاد المحاولة ودرس بطريقة مختلفة حتى نجح في المرة التالية وأصبح فشله الأول سببا في أن يتعلم كيف يواجه الفشل بطريقة أفضل
ورجل خسر مشروعا كان قد وضع فيه سنوات من الجهد لكنه لم يعتبر الخسارة نهاية حياته بل جلس ليدرس أسبابها ثم بدأ مشروعا جديدا أكثر تنظيما وخبرة
هذه المواقف تؤكد أن الأمل لا يلغي الألم لكنه يمنع الألم من أن يتحول إلى استسلام
الرؤية الإسلامية
جاء الإسلام ليغرس في قلب الإنسان الأمل وعدم اليأس من رحمة الله مهما اشتدت الظروف
قال الله تعالى
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
سورة الزمر الآية 53
وقال سبحانه
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
سورة الشرح الآيتان 5 و6
وتعلمنا هذه الآيات أن العسر لا يستمر إلى الأبد وأن رحمة الله أوسع من كل ألم وأن الإنسان مهما ابتعد يستطيع أن يعود ومهما اشتدت عليه الظروف يستطيع أن ينتظر الفرج ويعمل من أجله
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ
عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له
رواه مسلم
وقال ﷺ
واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا
رواه الترمذي وصححه الألباني
وتمنحنا هذه الأحاديث نظرة مختلفة إلى الأزمات فهي تعلمنا أن الصبر ليس استسلاما وأن الإنسان يستطيع أن يخرج من المحنة أكثر قوة وخبرة وأن الفرج قد يأتي بعد أشد لحظات الكرب
الرؤية المسيحية
يدعو الكتاب المقدس إلى الرجاء والثقة وعدم الاستسلام أمام الضيق
جاء في رسالة رومية
فرحين في الرجاء صابرين في الضيق مواظبين على الصلاة
رومية الإصحاح الثاني عشر العدد الثاني عشر
وجاء في رسالة رومية أيضا
الرجاء لا يخزي
رومية الإصحاح الخامس العدد الخامس
من تعاليم السيد المسيح والرسل
قال السيد المسيح
تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم
متى الإصحاح الحادي عشر العدد الثامن والعشرون
وقال الرسول بولس
لأننا بالرجاء خلصنا ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضا
رومية الإصحاح الثامن العدد الرابع والعشرون
وتؤكد هذه التعاليم أن الإنسان يستطيع أن يجد قوة في الإيمان والرجاء وأن الضيق مهما كان قاسيا لا ينبغي أن يكون سببا في فقدان الأمل
خاتمة
قد تمر علينا أيام نشعر فيها أن الحياة أغلقت أبوابها كلها لكن باب الأمل يظل موجودا ما دام الإنسان قادرا على أن يحاول من جديد فلا تجعل لحظة صعبة تحكم على حياتك كلها ولا تجعل فشلا واحدا يحدد مستقبلك ولا تسمح لألم مؤقت أن يقنعك بأن الحياة لن تتغير
اصنع الأمل من داخلك بخطوة صغيرة وبقرار جديد وبثقة في الله وبإيمان أنك قادر على النهوض مهما كان سقوطك
فربما يكون الطريق الذي تخشاه اليوم هو نفسه الطريق الذي سيقودك غدا إلى المكان الذي كنت تحلم بالوصول إليه
![]()
