الكاتبة عاليا عجيزة
جلس الحاج أمين على أريكته الخشبية المعتادة في الصالة الواسعة، حيث تتسلل أشعة شمس الصباح الأولى عبر خيوط الستائر الدانتيل البيضاء، لتسقط على ندف الغبار المتراقصة في الهواء.
لم تكن هناك حاجة لساعات المنبه الحديثة ذات الأصوات المزعجة؛ فقد كان للصباح في ذلك الزمن طقس مقدس، يبدأ بطقطقة خافتة تنبعث من جهازه الأثيري القديم، يتبعها وشيش منتظم يمهد لولادة يوم جديد.
كانت الاستيقاظات القديمة تشبه الاستفاقة التدريجية على حلم دافئ. يتنفس البيت بأكمله إيقاعًا واحدًا؛ رائحة القهوة بالسكر المضبوط وهي تتصاعد من المطبخ، وصوت المكنسة اليدوية، والنسيم البارد الذي يحمل معه عبق الندى من الشارع. وفي قلب هذا كله، كان Radio الكبير يقف على الرف الخشبي كأنه قلب البيت النابض، يُصدر نغمة البداية الشهيرة التي تزيل باقي النوم من الأجناس.
«هنا القاهرة…»
عبارة لم تكن مجرد تعريف بإذاعة، بل كانت تعلن رسميًّا انطلاق الحياة في البيوت المصرية والعربية. يبدأ الجدول الصباحي بآيات من القرآن الكريم بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أو الشيخ محمد رفعت، صوت يملأ الأركان بطمأنينة.
![]()
