الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يتحرك أحد.
كانت خطوات الأقدام القادمة من أعلى المكان تقترب ببطء.
خطوة…
ثم أخرى…
ثم توقفت.
رفع آدم عينيه إلى السقف.
قال بصوت منخفض:
“حد وصل لنا.”
قالت ليان:
“المنظمة؟”
لم تجب مريم.
أما نور فكانت تنظر إلى المومياء.
قالت:
“مش مهم مين.”
التفت إليها آدم.
“يعني إيه؟”
قالت:
“المهم إنهم عرفوا مكانها.”
اقترب آدم من التابوت.
“لازم نخرجها من هنا.”
أمسكت مريم بذراعه.
“استنى.”
نظر إليها.
قالت:
“الرسالة قالت ما نثقش في أول جهة تطلبها.”
“يعني؟”
“يعني لازم نعرف مين اللي فوق الأول.”
فجأة انطفأت الأنوار.
أصبحت القاعة مظلمة تمامًا.
سمعوا صوت باب القاعة يُفتح.
ثم صوت رجل:
“نعرف إنكم تحت.”
تجمد آدم.
قال الرجل:
“مش جايين نؤذيكم.”
قالت ليان:
“كذاب.”
رد الرجل:
“لو كنا عايزين نقتلكم، كنا دخلنا من غير ما نتكلم.”
نظر آدم إلى مريم.
ثم قال:
“مين أنت؟”
جاء الرد:
“أنا من الجهة اللي المفروض تسلموا لها المومياء.”
قالت نور:
“اسمك.”
صمت الرجل لحظة.
ثم قال:
“الدكتور يحيى منصور.”
نظرت مريم إلى آدم.
ثم إلى نور.
قالت:
“الاسم ده أعرفه.”
سأل آدم:
“مين هو؟”
قالت:
“باحث آثار.”
ثم سكتت.
“لكن مش عارفة إذا كان لسه مع الجهات الرسمية ولا…”
لم تكمل.
قالت نور:
“الرسالة كانت بتحذرنا.”
ثم أضافت:
“ما نطلعش المومياء لأي حد.”
قال آدم:
“يبقى هنخرج من طريق ثاني.”
نظر حوله.
وجد خلف التابوت بابًا حجريًا صغيرًا.
اقترب منه.
كان عليه نفس الرمز القديم.
قال:
“يمكن ده مخرج.”
قالت مريم:
“افتحه.”
وضع آدم يده عليه.
لكن نور أوقفته.
“استنى.”
وضعت يدها على الرمز.
وفجأة…
تغير وجهها.
قالت:
“أنا أعرف المكان ده.”
سألها آدم:
“من الذاكرة؟”
أومأت.
“أبي كان هنا.”
ثم أغمضت عينيها.
“كان هو وسليم بيهربوا من المومياء من مكان لمكان.”
قالت مريم:
“يعني فيه طريق سري.”
“نعم.”
فتحت عينيها.
“لكن الطريق ده مش خروج.”
قال آدم:
“إذن؟”
قالت:
“بيوصل لمكان أقدم.”
تقدم صوت الرجل من خلفهم:
“لو كنت مكانكم، ما كنتش هفتح الباب.”
استدار آدم.
“إنت سامعنا؟”
ضحك الرجل.
“المكان ده فيه أجهزة مراقبة من قبل ما تدخلوا.”
قالت مريم:
“إذن أنت تعرف كل شيء.”
“تقريبًا.”
قالت:
“يبقى تعرف إن المومياء مش مجرد أثر.”
سكت الرجل.
فهم آدم من صمته أن الجملة أصابته.
قال:
“إنت مش من الآثار.”
لم يجب.
قال آدم:
“لو كنت منهم، كنت عرفت إن المومياء لازم تتسلم للجهة الرسمية.”
ثم أضاف:
“لكن إنت جاي تطلبها بنفسك.”
ساد الصمت.
ثم جاء صوت الرجل:
“أنت أذكى مما توقعت.”
ابتسم آدم.
“وأنت كذبت.”
فجأة انطلقت أصوات عدة رجال من أعلى الممر.
قالت ليان:
“عددهم كبير.”
أجابتها نور:
“لازم نتحرك دلوقتي.”
قال آدم:
“هنأخذ المومياء.”
قالت مريم:
“إزاي؟”
أشار إلى التابوت.
“التابوت ده متصمم للنقل.”
اقترب الأربعة.
فتح آدم الجزء السفلي.
وجد عجلات مخفية.
قال:
“سليم كان مجهزه.”
قالت نور:
“كان متوقع إننا نوصل للمرحلة دي.”
أخرجت مريم بعض الأدوات من حقيبتها.
بدأوا يثبتون التابوت على العربة.
وفوقهم…
بدأ الرجال في النزول.
قال آدم:
“يلا!”
دفع التابوت.
تحرك ببطء.
دخلوا الممر الحجري خلف القاعة.
وقبل أن يغلق آدم الباب…
سمع صوت الرجل مرة أخرى:
“آدم!”
توقف.
قال الرجل:
“لو أخذت المومياء معك، لن تكونوا أنتم وحدكم في الخطر.”
لم يرد.
أغلق الباب.
ثم بدأ الأربعة يتحركون بسرعة.
كان الممر ضيقًا.
والتابوت ثقيلًا.
قالت ليان:
“فين الطريق ده هيوصلنا؟”
أجابت نور:
“إلى مكان قريب من الخارج.”
قال آدم:
“قريب قد إيه؟”
“حوالي كيلومتر.”
قالت مريم:
“كيلومتر تحت الأرض؟”
أومأت.
“نعم.”
استمروا.
وبعد عدة دقائق…
سمعوا صوتًا خلفهم.
الباب الحجري انفتح.
قال آدم:
“وصلوا لنا.”
ركضوا.
لكن الممر بدأ ينقسم إلى ثلاثة اتجاهات.
توقفت نور.
وضعت يدها على رأسها.
قال آدم:
“نور؟”
قالت:
“اليمين.”
“متأكدة؟”
“نعم.”
ركضوا ناحية اليمين.
بعد أمتار…
انفجر جزء من الممر خلفهم.
سقطت الحجارة.
صرخت ليان.
لكنهم استمروا.
حتى ظهر ضوء الشمس.
خرجوا من فتحة بين الصخور.
كانوا خارج المبنى.
قال آدم وهو يلتقط أنفاسه:
“نجحنا.”
لكن نور لم تجب.
كانت تنظر إلى التابوت.
ثم قالت:
“لا.”
قالت مريم:
“إيه؟”
قالت نور:
“إحنا ما هربناش.”
نظروا إليها.
“إحنا اتوجهنا.”
سأل آدم:
“بمعنى؟”
أشارت إلى الطريق أمامهم.
كانت هناك سيارة سوداء تنتظرهم.
وعلى بابها شعار جهة رسمية.
قالت ليان:
“دي عربية آثار.”
اقترب آدم بحذر.
نزل منها رجل في منتصف العمر.
قال:
“أنا الدكتور يحيى منصور.”
تجمد الأربعة.
نظر الرجل إلى المومياء.
ثم قال:
“كنت أعرف إنكم هتوصلوا هنا.”
سأله آدم:
“إنت كنت بتراقبنا؟”
قال:
“منذ فترة.”
“وليه؟”
أجاب:
“لأن سليم طلب مني.”
تغير وجه مريم.
“سليم؟”
أومأ.
“قبل اختفائه بفترة قصيرة.”
ثم قال:
“لكنني لم أكن أعرف أنه أخفى المومياء.”
اقترب من التابوت.
“كنت أعتقد أنني أبحث عن شيء آخر.”
سألته نور:
“إيه؟”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“عنكم.”
ساد الصمت.
قال آدم:
“إحنا؟”
“نعم.”
ثم أخرج ملفًا.
فتحه.
كانت فيه صور آدم وليان ونور ومريم.
قال:
“سليم ترك تعليمات محددة.”
ثم أعطى الملف لآدم.
قرأ أول سطر:
“إذا وصلوا الأربعة إلى المومياء، لا تأخذها منهم.”
رفع آدم رأسه.
“يعني إيه؟”
أجاب الدكتور يحيى:
“يعني أنتم من ستقررون أين تذهب.”
ثم قال:
“أنا هنا فقط لأضمن ألا تقع في يد المنظمة.”
نظر آدم إلى مريم.
ثم إلى ليان.
ثم إلى نور.
قالت نور:
“إذن نسلمها للجهة المختصة.”
أومأ الدكتور يحيى.
“لكن ليس الآن.”
استغرب آدم.
“ليه؟”
أشار إلى الملف.
“لأن هناك شيئًا أخطر.”
فتح صفحة أخيرة.
كانت عليها صورة لمبنى أثري.
قال:
“المنظمة سبقتنا.”
ثم أضاف:
“وقد بدأت بالفعل في البحث عن المكان التالي.”
سأل آدم:
“إيه المكان؟”
قال الدكتور يحيى:
“المعبد الذي أخفى فيه عاصم آخر جزء من الحقيقة.”
نظرت نور إلى الصورة.
وفجأة بدأت ذاكرتها تتحرك.
رأت المعبد.
رأت عاصم.
رأت سليم.
ورأت شخصًا ثالثًا يقف بينهما.
فتحت عينيها بسرعة.
قال آدم:
“شفتي إيه؟”
قالت:
“الرجل اللي كان مع أبي وسليم.”
“مين؟”
هزت رأسها.
“مش عارفة.”
ثم نظرت إلى الصورة مرة أخرى.
وقالت بصوت خافت:
“لكنني أعرفه.”
اقتربت مريم.
“مين هو؟”
رفعت نور عينيها.
وكان الخوف واضحًا فيهما.
“هو الشخص الذي ظن أبي أن المنظمة قتلته.”
ثم قالت:
“لكنه كان حيًا.”
انتظر الجزء القادم
![]()
