...
IMG 20260906 WA0094

 

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل عندما قرر يونس أن يفتح الصندوق الخشبي المغلق منذ أعوام. لم يكن الصندوق محكمًا بفلز خشن أو قفل حديدي، بل كان مغلفًا بشريط أحمر باهت، كأنه يلتف حول سرّ يخشى الخروج. جلس على الكرسي الخشبي المتهالك وسط الغرفة، ونظر إلى الخشب القديم الصامت. كان يعرف أن فتح هذا الصندوق يعني نبش الماضي الذي حاول دفنه طوال سنوات، لكن الفضول الذي ينهش صدره كان أقوى من أي خوف.

 

حين قطع الشريط، خرج صوت صرير خفيف هزَّ سكون الغرفة. لم يجد بداخله مجوهرات ولا وثائق مالية، بل وجد رزمة من الرسائل القديمة الملفوفة بخليّة خيطية، ومحبرة نُحتت على أطرافها زركشات غريبة، ورغيفًا يابسًا لفت أطرافه قطعة قماش ملطخة بالحبر. مدَّ يده نحو الرسالة الأولى، واستخرج الورقة المطوية بحذر كأنها ستتفتت بين أصابعه. كانت الحروف مكتوبة بخط يده هو، لكنه لم يتذكر قط أنه كتب تلك الكلمات.

 

بدأ يقرأ السطور بصوت خافت. كانت الرسالة تحدثه عن ليلة شتوية قديمة، ليلة سار فيها عبر الطرقات المظلمة نحو أطراف المدينة ليقابل شخصًا لا اسم له. تقول الرسالة إن يونس سلَّم ذلك الغريب شيئًا ثمينًا مقابل أمنية واحدة: أن ينسى كل ما حدث في تلك الليلة. تتسارع الأنفاس في صدره، وضربات قلبه تصدع صمته الداخلي. كيف يمكن للإنسان أن يكتب رسالة لنفسه يحذره فيها من ذكرياته الخاصة؟

 

أخذ يقلب الرسائل واحدة تلو الأخرى، وكل صفحة تكشف جزءًا من الأحجية التي غابت عنه. كان يظن أن حياته كانت هادئة وبسيطة، مجرد أيام متكررة بين عمله بيع الكتب القديمة وبين بيته الضيق، لكن السطور المكتوبة بالحبر الداكن كانت تحكي قصة رجل آخر. رجل عاش في الخفاء، يتتبع الآثار الغامضة، ويبحث عن كتب سحرية وخطوط مفقودة نسيتها العقول. في الرسالة الثالثة، كان هناك تحذير صريح: «إذا وصلت إلى هذه الصفحة، فهذا يعني أن الدواء قد زال أثره، وأنهم يعلمون أنك تذكرت».

 

وقف يونس فجأة، والتفت نحو النافذة المغلقة. لم يكن هناك أي صوت في الشارع، لكنه شعر بأن هناك من يقف في العتمة خارج الباب، ينتظر حركة واحدة منه. التقط المحبرة الصغيرة من الصندوق. كانت ثقيلة بشكل غير طبيعي، وكأن السائل القابع في جوفها يتحرك بإرادة منفصلة. عندما فتح سدَّادتها، فاحت رائحة غريبة تتداخل فيها رائحة المطر بالحديد والرماد.

 

نزل إلى الطابق السفلي حيث كانت مكتبته الصليبة تعج بالكتب القديمة. مشى بين الممرات الضيقة وهو يحمل شمعة صغيرة يتراقص نورها على الأغلفة الجلدية. كان يعلم الآن أين يجب أن يبحث. اتجه نحو الرف الأخير في الزاوية المظلمة، الرف الذي لم يمسه أحد منذ سنوات. هناك، خلف مجلد تاريخي ضخم، وجد تجويفًا صغيرًا في الجدار الخشبي.

 

وضع يونس يده داخل التجويف وسحب مفتاحًا برونزيًا كبيرًا. لم يكن المفتاح يفتح أي باب في المنزل، بل كان يفتح الخزنة الحديدية القابعة تحت بلاط الأرضية في القبو. نزل السلالم الحجرية الباردة بخطوات متثاقلة، وكان كل درج يقطعه يزيد من ثقل الهواء حوله. عندما وصل إلى القبو، أزاح السجادة القديمة وكشف عن الباب الحديدي الصغير المدمج في الأرض.

 

أدخل المفتاح في القفل، ودار الدوران المألوف. فتح الباب، ليرى كتابًا واحدًا ضخمًا ملفوفًا بالجلد الأسود. لم يكن الكتاب يحتوي على اسم كاتب أو عنوان. فتح الصفحة الأولى، ليجد خطًّا يشبه الخط المكتوب في الرسائل، بل كان هو نفس الخط. كانت الصفحة الأولى تبدأ بجملة واحدة حُفرت عميقًا في الورق: «الذاكرة ليست ما حدث بالفعل، بل ما نختار أن نصدقه، وأنت اخترت أن تنسى لكي تعيش».

 

جلس يونس على الأرض الباردة، وأدرك أخيرًا الحقوق الكاملة لماضيه. لم يكن مطاردًا من الآخرين، بل كان يهرب من نفسه، ومن القرار الذي اتخذه في تلك الليلة الشتوية البعيدة. أغلق الكتاب ببطء، ونظر إلى المحبرة في يده، ثم قرر أن يبدأ في كتابة الفصل الأخير الذي تجنب كتابته طوال هذه السنين، محاولًا حسم القصة قبل أن يدركه الفجر.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *