...
IMG 20260916 WA0002

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

وقف الأربعة أمام المشهد الذي لم يتوقع أحد منهم أن يراه.

 

كان والد سليم يقف في منتصف القاعة، وأمامه مصدر ضخم من الحجر الأسود، تتوسطه دائرة مضيئة تتحرك داخلها رموز قديمة.

 

لكن المفاجأة لم تكن في المصدر نفسه.

 

كانت في الجدار خلفه.

 

ظهرت عليه صور متتابعة.

 

عاصم.

 

سليم.

 

سلمى.

 

والد آدم.

 

والد ليان.

 

مريم.

 

ثم ظهر الأطفال الأربعة وهم صغار.

 

قال آدم:

 

“إحنا كنا مشروع؟”

 

أجاب والد سليم:

 

“لا.”

 

ثم نظر إليهم.

 

“أنتم كنتم محاولة لإنقاذ شيء أكبر منكم.”

 

قالت مريم:

 

“اتكلم.”

 

قال:

 

“منذ آلاف السنين، اكتشف المصري القديم أن المعرفة لا تموت بموت صاحبها، إذا استطاع أن يحفظها بطريقة صحيحة.”

 

وأشار إلى المصدر.

 

“لكنهم لم يحفظوا معلومات عادية.”

 

ظهرت صور على الجدار لخرائط، وعلوم، وكتابات، وأسرار تتعلق بالطب والفلك والهندسة والذاكرة.

 

قال:

 

“جمعوا معرفة أجيال كاملة في نظام واحد.”

 

سألته نور:

 

“والمومياء؟”

 

أجاب:

 

“كانت أول حامل حي لهذا النظام.”

 

قالت ليان:

 

“يعني الطفل المومياء كان يعرف كل شيء؟”

 

“كان يحمل جزءًا من المعرفة.”

 

ثم نظر إلى آدم ونور وليان ومريم.

 

“وعندما اكتشفنا أن المنظمة تريد استخدام النظام للسيطرة، حاول عاصم وسليم وآباؤكم تقسيمه.”

 

قال آدم:

 

“وده سبب وجود الأجزاء داخلنا.”

 

أومأ.

 

“كل واحد منكم حمل جزءًا مختلفًا.”

 

قالت نور:

 

“ومريم؟”

 

نظر إليها.

 

“كانت تحمل الجزء الذي يربط الأجزاء ببعضها.”

 

ساد الصمت.

 

قالت مريم:

 

“يعني لو اتجمعنا من البداية…”

 

أجاب:

 

“لتشكلت الذاكرة كاملة.”

 

قال آدم:

 

“وكانت المنظمة هتسيطر عليها.”

 

“نعم.”

 

قالت ليان:

 

“لكن ليه أنا بالذات؟”

 

أجاب:

 

“لأنك لم تحملي المعلومات فقط.”

 

ثم ظهرت على الجدار صورة ليان وهي طفلة.

 

“أنت تحملين قدرة استدعائها.”

 

قالت:

 

“يعني أنا أقدر أشوف الماضي؟”

 

“والمستقبل المحتمل.”

 

تذكرت ليان رؤيتها السابقة.

 

واحد من الأربعة سيكون سبب سقوط المنظمة.

 

قالت:

 

“أنا شفت النهاية.”

 

نظر إليها والد سليم.

 

“إذن حان الوقت.”

 

قال آدم:

 

“وقت إيه؟”

 

قال:

 

“وقت أن تعرفوا الحقيقة الأخيرة.”

 

اقترب من المصدر.

 

وضع يده عليه.

 

ظهرت أربعة رموز.

 

ثم رمز خامس.

 

قال:

 

“هذا المصدر لا يطيع شخصًا واحدًا.”

 

ثم نظر إليهم.

 

“ولا يمكن تشغيله إلا إذا اجتمعت الأجزاء الأربعة بإرادة أصحابها.”

 

قالت نور:

 

“وإنت عايز تشغله ليه؟”

 

أجاب:

 

“لأني كنت أعتقد أن المعرفة يجب أن يحكمها شخص واحد.”

 

قالت مريم:

 

“وأنت كنت الشخص ده.”

 

“نعم.”

 

ثم صمت.

 

وأضاف:

 

“لكنني كنت مخطئًا.”

 

تبادل الأربعة النظرات.

 

قال آدم:

 

“إيه اللي حصل لك؟”

 

نظر الرجل إلى سليم.

 

“ابني.”

 

اقترب سليم منه.

 

قال:

 

“أبي…”

 

قاطعه:

 

“كنت أظن أنني أستطيع حماية العالم إذا سيطرت على المعرفة.”

 

ثم نظر إلى الأربعة.

 

“لكن عاصم أثبت لي العكس.”

 

قالت نور:

 

“إذن أنت اللي قتلت أبي؟”

 

أغمض عينيه.

 

“أصدرت الأمر.”

 

سكتت نور.

 

ثم قالت:

 

“ليه؟”

 

“لأنني كنت أعتقد أن موته سيوقفكم.”

 

ثم نظر إليها.

 

“لكنه جعلكم تكملون.”

 

اقتربت نور منه.

 

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكنها لم تتراجع.

 

قالت:

 

“أبي مات عشان نحمي الحقيقة.”

 

ثم رفعت الخاتم.

 

“وإحنا هنكمل.”

 

فجأة بدأ المصدر يهتز.

 

ظهرت الرموز الأربعة في الهواء.

 

اتجه كل رمز إلى صاحبه.

 

دخل رمز نور في صدرها.

 

ثم آدم.

 

ثم ليان.

 

ثم مريم.

 

صرخت مريم.

 

بدأت ذكرياتها تتداخل مع ذكريات الآخرين.

 

رأت عاصم.

 

رأت سلمى.

 

رأت والد آدم.

 

رأت والد ليان.

 

رأت سليم.

 

ثم رأت نفسها.

 

لكنها رأت شيئًا لم تره من قبل.

 

ليلة مقتل عاصم.

 

لم يكن الرجل الذي أمر بقتله هو والد سليم وحده.

 

كان هناك شخص آخر.

 

شخص كان يقف بجانبه.

 

قالت مريم:

 

“استنى…”

 

توقفت الذكريات.

 

قال آدم:

 

“إيه؟”

 

أشارت إلى الصورة.

 

“الشخص ده…”

 

اقتربت نور.

 

ثم ليان.

 

ثم سليم.

 

كان الرجل يقف بجوار والد سليم في كل الاجتماعات القديمة.

 

وكان هو من يتلقى الأوامر.

 

وكان هو من يعرف مكان كل جزء.

 

لكن وجهه ظل مخفيًا.

 

قال آدم:

 

“مين ده؟”

 

والد سليم لم يجب.

 

نظر إلى سليم.

 

فقال سليم:

 

“أنا أعرف.”

 

صمت الجميع.

 

قالت مريم:

 

“مين؟”

 

أجاب:

 

“الرجل الذي كان أبي يثق فيه أكثر من أي شخص.”

 

قال آدم:

 

“اسمه؟”

 

نظر سليم إلى مصدر الذاكرة.

 

ثم قال:

 

“يوسف لم يكن الاسم الحقيقي له.”

 

تجمدت نور.

 

قالت:

 

“أمال مين؟”

 

أجاب:

 

“اسمه الحقيقي…”

 

توقف.

 

وفي اللحظة نفسها، بدأت كل أبواب القاعة تُغلق.

 

وظهر عشرات الرجال عند المداخل.

 

كانت المنظمة قد وصلت.

 

رفع أحدهم سلاحه.

 

لكن والد سليم وقف أمام المصدر.

 

وقال:

 

“لن يصلوا إليه.”

 

صرخ آدم:

 

“إحنا لازم نخرج!”

 

قال سليم:

 

“لا.”

 

نظر إليه الجميع.

 

“المرة دي مش هنهرب.”

 

ثم وضع يده على كتف والده.

 

“هننهي كل شيء.”

 

قالت ليان:

 

“لو شغلنا المصدر كاملًا، إيه اللي هيحصل؟”

 

أجاب:

 

“ستظهر الحقيقة لكل من في الخارج.”

 

قال آدم:

 

“يعني المنظمة كلها هتتكشف.”

 

أومأ.

 

“لكن هناك ثمن.”

 

سألت نور:

 

“إيه الثمن؟”

 

نظر إلى الأربعة.

 

“واحد منكم يجب أن يختار.”

 

قالت مريم:

 

“يختار إيه؟”

 

أجاب:

 

“إما أن تبقى الذاكرة حية داخلهم إلى الأبد…”

 

ثم نظر إلى المصدر.

 

“أو يمحو أحدكم كل ما عرفه عنها، حتى لا يستطيع أي إنسان استخدامها مرة أخرى.”

 

ساد الصمت.

 

نظر الأربعة إلى بعضهم.

 

ثم قالت ليان:

 

“أنا عارفة مين هيختار.”

 

نظر إليها آدم.

 

“مين؟”

 

لم تجب.

 

فقط نظرت إلى شخص واحد.

 

ثم بدأت دموعها تنزل.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

ظهر على الجدار اسم الرجل الحقيقي.

 

الاسم الذي أخفاه الجميع طوال هذه السنوات.

 

اقترب سليم من الجدار.

 

قرأ الاسم.

 

ثم قال بصوت مرتجف:

 

“أبي… كان بيشتغل عنده.”

 

انطفأت الأنوار.

 

وبقي الاسم وحده مضيئًا.

 

أما في الخارج…

 

فكانت سيارات المنظمة تحاصر المكان بالكامل.

 

وفي الداخل…

 

كان الأربعة أمام آخر حقيقة.

 

الحقيقة التي ستحدد مصيرهم جميعًا.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *