الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ظل الصوت يتردد داخل المقبرة.
“والآن حان وقت استعادة ما أخذه مني.”
لم يتحرك أحد.
كانت مريم تنظر إلى مدخل المقبرة، بينما وقفت نور بجوارها، ووقف آدم وليان أمامهما.
أما حورس، فكان يحدق في الظلام وكأنه يحاول التأكد من شيء.
قال آدم:
“سليم.”
جاء الرد من الخارج:
“ليس سليم.”
ثم ظهر الرجل ببطء.
كان في عمر متقدم، ملامحه هادئة، لكنه كان يحمل في عينيه شيئًا جعل مريم تشعر بأنها رأته من قبل.
قال حورس بصوت خافت:
“سليم كان محقًا.”
نظر الرجل إليه.
“وأنت ما زلت حيًا.”
أجابه حورس:
“لأنني كنت أعرف أنك ستعود.”
ابتسم الرجل.
“لم أعد.”
توقف لحظة.
“أنا لم أغادر أصلًا.”
تقدمت مريم.
“أنت والد سليم.”
قال:
“نعم.”
“فين سليم؟”
أجاب:
“في المكان الذي يجب أن يكون فيه.”
قالت:
“إيه اللي عملته فيه؟”
ابتسم.
“لم أفعل به شيئًا.”
ثم نظر إليها.
“هو اختار طريقه.”
قالت نور:
“طريقه كان يحمي أبي.”
تغيرت ملامحه قليلًا.
“عاصم.”
ثم قال:
“كان أذكى شخص قابلته.”
ردت نور:
“وأنت قتلته.”
قال:
“عاصم مات لأنه رفض أن يخضع.”
ثم أضاف:
“لكن موته لم يذهب سدى.”
أخرجت نور الخاتم.
“أبي ترك لي ده.”
نظر الرجل إلى الخاتم.
وتغير وجهه.
قال:
“إذن بدأتم تفهمون.”
قال آدم:
“إحنا مش هنسيبك تاخد أي حاجة.”
ضحك الرجل.
“أنتم لا تعرفون ماذا تحملون أصلًا.”
قالت ليان:
“إحنا عرفنا.”
نظر إليها.
“لا.”
ثم قال:
“أنتِ تحديدًا لا تعرفين.”
وضعت ليان يدها على رأسها.
بدأت ذاكرتها تتفاعل.
رأت الرجل نفسه منذ سنوات.
كان يقف أمام سليم.
يقول له:
“إذا فشلنا في نقل الذاكرة، سنفقد كل شيء.”
ويرد سليم:
“المعرفة ليست ملكًا لأحد.”
فيجيبه والده:
“بل هي القوة الوحيدة التي تجعل الإنسان يحكم من دون جيش.”
اختفت الرؤية.
فتحت ليان عينيها.
قالت:
“أنت مش عايز المعرفة علشان تحافظ عليها.”
أجاب:
“أخيرًا.”
ثم قال:
“أريدها لأن من يملكها يستطيع إعادة كتابة التاريخ.”
قال آدم:
“يعني عايز تمسح اللي حصل وتكتب تاريخ على مزاجك.”
قال:
“أريد أن أضع الحقيقة في يد من يستحقها.”
ضحكت مريم بمرارة.
“وأنت شايف إنك تستحقها؟”
أجاب:
“أنا قضيت عمري كله في البحث عنها.”
ثم نظر إلى المومياء التي ظهرت صورتها على الجدار.
“والآن أنتم أوصلتموني إليها.”
قالت نور:
“المومياء في مكان آمن.”
ابتسم.
“المومياء ليست ما أريده.”
تجمد الأربعة.
قال:
“المومياء مجرد مفتاح.”
ثم أشار إليهم.
“أما أنتم…”
توقف.
“فأنتم الباب.”
—
قال حورس:
“لا تسمح لهم بالاقتراب منهم.”
رد الرجل:
“تأخرت.”
ثم أشار إلى رجاله الذين ظهروا خلفه.
كانوا قد أغلقوا مدخل المقبرة.
قال آدم:
“إحنا محاصرين.”
قال حورس:
“ليس بعد.”
ثم أخرج قطعة معدنية صغيرة من جيبه.
وضعها على أحد الجدران.
فتح ممر سري.
قال:
“هنا.”
تحرك آدم بسرعة.
“يلا!”
دخلت نور وليان ومريم.
لكن الرجل أمسك بذراع حورس.
قال:
“أنت لن تذهب.”
أجابه حورس:
“أنا لا أهرب.”
ثم نظر إلى الأربعة.
“أنا أؤخرهم.”
صرخت مريم:
“حورس!”
قال:
“اذهبوا.”
ثم أغلق الممر من الداخل.
واصل الأربعة الركض.
كان الممر ضيقًا ومظلمًا.
قالت ليان:
“رايحين فين؟”
أجاب آدم:
“مش عارف.”
قالت مريم:
“الخريطة.”
أخرج آدم الخريطة.
كانت الخطوط تتحرك عليها.
ثم ظهر سهم جديد.
قالت نور:
“المصدر.”
قال آدم:
“يعني لازم نروح له.”
قالت مريم:
“لا.”
نظر إليها.
“ليه؟”
قالت:
“لأن والد سليم كان عايزنا نروح.”
سكت الجميع.
قالت:
“يمكن ده فخ.”
قال آدم:
“لكن لو ما رحناش، هنفضل نهرب.”
قالت نور:
“أبي ترك الخاتم.”
ثم رفعت يدها.
بدأ الخاتم يضيء.
ظهر أمامهم نقش جديد.
قرأت مريم:
“لا تصلوا إلى المصدر قبل أن تجمعوا الذاكرة.”
قالت ليان:
“إحنا الأربعة.”
أجاب آدم:
“يعني لازم نفهم أجزاءنا.”
قالت نور:
“كل واحد فينا لازم يعرف بالضبط هو بيحمل إيه.”
فجأة توقفت ليان.
قالت:
“أنا عارفة.”
نظروا إليها.
“أنا شفت حاجة.”
قال آدم:
“إيه؟”
قالت:
“المستقبل.”
ثم نظرت إليه.
“وشفت النهاية.”
سألها:
“نهايتنا؟”
هزت رأسها.
“نهاية المنظمة.”
قالت مريم:
“إزاي؟”
أجابتها:
“لما نجمع الذاكرة، المنظمة هتنهار من جوه.”
ثم صمتت.
قال آدم:
“في حاجة تانية.”
نظرت إليه.
“إيه؟”
قال:
“وشفتي مين هيكون السبب؟”
ترددت.
ثم قالت:
“أيوه.”
“مين؟”
نظرت إلى نور.
ثم مريم.
ثم قالت:
“واحد مننا.”
ساد الصمت.
وقبل أن يسألها آدم عن التفاصيل…
سمعوا صوت خطوات خلفهم.
ثم صوت سليم.
“ليان… لا تخبريهم من سيكون.”
استدار الأربعة.
كان سليم واقفًا في نهاية الممر.
لكن هذه المرة كان مصابًا.
وعلى وجهه آثار دماء.
قالت مريم:
“سليم!”
اقترب منها.
قال:
“ما عندناش وقت.”
ثم نظر إلى آدم.
“والدي وصل للمصدر.”
تجمد آدم.
قال:
“إزاي؟”
أجاب سليم:
“لأنه كان ينتظرنا من البداية.”
ثم نظر إلى نور.
“والخاتم اللي معك…”
توقف.
“مش مفتاح.”
سألته نور:
“أمال إيه؟”
قال سليم:
“هو جهاز التفعيل.”
تجمد الأربعة.
ثم بدأ الخاتم يهتز بعنف.
وانفتح أمامهم جدار الممر.
ظهر خلفه مكان واسع مضاء بضوء أبيض.
وفي منتصفه…
كان يقف والد سليم.
أمام شيء لم يروه من قبل.
المصدر الأول للذاكرة.
التفت إليهم.
وقال:
“أخيرًا… اكتملت المفاتيح.”
ثم أضاف:
“الآن ستعرفون لماذا اختارتكم الذاكرة أنتم الأربعة.”
انتظر الجزء القادم
![]()
