الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
بدأت ملامح الرجل تتغير أمام أعينهم.
لم يكن المشهد خدعة.
لم يكن قناعًا.
كان وجهه يتبدل ببطء، حتى اختفى تمامًا الشكل الذي عرفوه.
تراجعت ليان خطوة.
قالت:
“إنت مين؟”
نظر إليها الرجل.
وقال:
“الاسم اللي كنتوا تعرفوه… يوسف النجار.”
ثم أضاف:
“لكن يوسف النجار لم يكن إلا هوية.”
قال آدم:
“هوية لمين؟”
ابتسم.
“لأكثر من شخص.”
صرخت مريم:
“يعني إيه؟”
أجاب:
“المنظمة لم تكن تعمل بشخص واحد. كانت تستخدم أسماءً واحدة، ووجوهًا متعددة، حتى لا يستطيع أحد معرفة من يقودها.”
قالت نور:
“يبقى يوسف اللي قابلناه قبل كده…”
“كان واحدًا من رجالي.”
ثم نظر إلى حورس.
“وحورس كان واحدًا منهم.”
التفت آدم إلى حورس.
“كنت معاهم؟”
أجاب حورس:
“نعم.”
قالت نور:
“بس إنت ساعدتنا.”
“لأنني خرجت منهم.”
سأله آدم:
“إمتى؟”
قال حورس:
“عندما فهمت أن الهدف لم يعد حماية المعرفة.”
ثم نظر إلى الرجل.
“بل امتلاكها.”
قال الرجل:
“كنت ضعيفًا.”
رد حورس:
“كنت إنسانًا.”
ساد الصمت.
اقتربت نور من الرجل.
“إنت اللي قتلت أبي.”
أجاب:
“أنا لم أقتله بيدي.”
قالت:
“لكن أنت أمرت.”
“نعم.”
ارتجف صوتها.
“ليه؟”
أجاب:
“لأن عاصم رفض أن يخبرني أين وضع الجزء الأخير.”
قالت مريم:
“أي جزء؟”
نظر إليها.
“جزء البداية.”
وضعت مريم يدها على صدرها.
قال الرجل:
“كان داخل جسدك.”
سأل آدم:
“والجزء الموجود في نور وليان وأنا؟”
“كانت مفاتيح.”
ثم قال:
“لكن الجزء الموجود داخل مريم كان الأصل.”
تغير وجه مريم.
“وعشان كده الذاكرة بدأت تشتغل لما شافت المومياء.”
أومأ.
“نعم.”
قالت ليان:
“طيب ليه ما أخدتوش منها؟”
ابتسم.
“لأننا لم نعرف أنها تحمل الجزء إلا بعد سنوات.”
ثم نظر إلى مريم.
“وعندما عرفنا… كان عاصم قد أخفاك.”
قالت مريم:
“وأنت كنت تراقبني؟”
“منذ زواجك من سليم.”
صمتت.
ثم قالت:
“يعني سليم…”
أجاب:
“كان مكلفًا بمراقبتك.”
ارتجفت مريم.
“بس هو حبني.”
قال الرجل:
“وهنا حدث الخطأ.”
نظر إلى حورس.
“سليم نسي مهمته.”
ثم أضاف:
“وأحبك فعلًا.”
لأول مرة، ظهر الارتباك على وجه الرجل.
لكن آدم قال:
“إنت مش بتقول الحقيقة كلها.”
التفت إليه.
“وماذا تظن أنك تعرف؟”
أخرج آدم الملف.
وقال:
“الملف ده فيه حاجة ناقصة.”
سأله:
“ماذا؟”
قلب آدم آخر صفحة.
كانت هناك أربعة أسماء، وتحتها اسم خامس.
لكن الاسم الخامس لم يكن واضحًا.
قال آدم:
“المراقب الخامس مش حورس.”
نظر الرجل إلى الملف.
اختفت ابتسامته.
قال:
“أعطني الملف.”
رفض آدم.
“ليه؟”
“لأنك لا تفهم ما تحمله.”
قال آدم:
“وأنت فاكر إنك الوحيد اللي فاهم.”
ثم وضع الملف أمام ليان.
“إنتِ عندك ذاكرة الأحداث.”
وضعت ليان يدها على الورقة.
في اللحظة نفسها…
اشتعلت الكلمات.
بدأت الصفحات تتغير أمام أعينهم.
ظهرت أحداث لم يعرفوها.
ظهر عاصم.
ثم سليم.
ثم سلمى.
ثم حورس.
ثم الرجل الذي أمامهم.
لكن بعدهم جميعًا…
ظهر شخص آخر.
كان يقف في الخلف.
ولا يظهر وجهه.
قالت ليان:
“ده هو.”
سأل آدم:
“مين؟”
قالت:
“الشخص اللي كان بيصدر الأوامر للجميع.”
نظر الرجل إليها.
“مستحيل.”
قالت ليان:
“أيوه.”
ثم بدأت الصورة تتضح.
ظهر الرجل الغامض وهو يتحدث إلى قائد المنظمة.
ثم ظهر قائد المنظمة وهو ينحني أمامه.
قالت مريم:
“يعني هو مش القائد.”
هزت نور رأسها.
“هو مجرد واحد من القادة.”
نظر الرجل إليهم.
لأول مرة بدا عليه الخوف.
قال:
“أوقفوا الذاكرة.”
لكن لم يحدث شيء.
كانت الذاكرة قد بدأت تتحكم في المكان.
ظهرت كتابة على الجدار:
“عندما يكذب حامل المعرفة… تكشف الذاكرة صاحبها.”
قال آدم:
“إذن المكان نفسه بيكشف الحقيقة.”
أجاب حورس:
“لأن الذاكرة الأولى لا يمكن خداعها.”
فجأة…
ظهر وجه الرجل الحقيقي على الجدار.
لم يكن يوسف.
ولم يكن أي شخص عرفوه.
لكن مريم عرفته.
وضعت يدها على فمها.
قال آدم:
“مين؟”
قالت بصوت مرتجف:
“والد سليم.”
تجمد الجميع.
قالت نور:
“بس سليم قال إن أبوه مات.”
أجاب حورس:
“كان هذا جزءًا من الخطة.”
قال آدم:
“يعني الرجل ده هو رئيس المنظمة الحقيقي؟”
نظر الرجل إلى الجدار.
ثم قال:
“كان.”
تقدم آدم.
“فين هو؟”
أجاب:
“لا أعرف.”
قالت ليان:
“بتكذب.”
ثم وضعت يدها على الجدار.
بدأت الرؤية الأخيرة في الظهور.
رجل مسن يدخل مكانًا سريًا.
معه صندوق.
ويقول:
“لو فشلوا…”
ثم ينظر إلى رجل أصغر سنًا.
“ستكمل أنت.”
تتضح ملامح الرجل الشاب.
كان سليم.
تجمدت مريم.
قالت:
“سليم كان هو الوريث.”
أجاب الرجل:
“نعم.”
ثم قال:
“لكن سليم خان المنظمة.”
نظر آدم إلى مريم.
“عشانك.”
لم تجبه.
ثم ظهر مشهد آخر.
سليم يقف أمام عاصم.
يقول:
“أنا لن أكمل طريق أبي.”
ويرد عاصم:
“إذن احمِ مريم والأطفال.”
ثم ينتهي المشهد.
قالت نور:
“يعني سليم كان بيحارب أبوه.”
أجاب حورس:
“من الداخل.”
قال آدم:
“يبقى ليه اختفى؟”
قال الرجل:
“لأنه اكتشف أن أباه لم يمت.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“والآن…”
نظر إلى الأربعة.
“والد سليم يعرف أنكم اجتمعتم.”
تغير وجه آدم.
“يعني هو جاي هنا.”
أومأ الرجل.
“ليس هنا.”
ثم أشار إلى الخريطة.
“إنه في المكان الذي بدأ منه كل شيء.”
قالت مريم:
“المصدر.”
أجاب:
“نعم.”
ثم فجأة…
انطفأت الأنوار.
وسمعوا صوت باب المقبرة يُفتح.
دخل رجل آخر.
لم يظهر وجهه.
لكن صوته كان واضحًا.
قال:
“سليم أخطأ عندما ظن أنني مت.”
تجمدت مريم.
ثم جاء الصوت مرة أخرى:
“والآن حان وقت استعادة ما أخذه منّي.”
نظر الأربعة إلى بعضهم.
وكانوا يعرفون أن المرحلة الأخيرة من رحلتهم قد بدأت.
انتظر الجزء القادم
![]()
