...
IMG 20260920 WA0049

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

مرت الأيام الأولى بعد الزواج بهدوء جميل

 

وكان أحمد ومنة يتعلمان كل يوم شيئًا جديدًا عن بعضهما

 

لم تعد هناك مسافات بينهما

 

وأصبح كل واحد منهما يرى تفاصيل الآخر التي لم يكن يراها في فترة الخطوبة

 

عرفت منة أن أحمد عندما يعود من العمل متعبًا يحب أن يجلس قليلًا في صمت قبل أن يتحدث

 

وعرف أحمد أن منة عندما تكون مشغولة بشيء تحبه تنسى الوقت

 

وعرف كل واحد منهما أن الحياة المشتركة لا تحتاج إلى أشياء كبيرة حتى تكون جميلة

 

أحيانًا كان كوب شاي في آخر الليل يكفي

 

وأحيانًا كانت مكالمة قصيرة من أحمد أثناء العمل تجعل منة تبتسم طوال اليوم

 

وأحيانًا كان مجرد أن يدخل أحمد البيت ويقول

 

أنا رجعت

 

فترد عليه

 

حمد لله على السلامة

 

يجعل اليوم كله يبدو أخف

 

لكن الحياة لا تظل دائمًا في نفس حالها

 

فبعد فترة بدأت بعض المسؤوليات تظهر أمامهما بشكل أوضح

 

المصاريف زادت

 

والبيت أصبح يحتاج إلى أشياء كثيرة

 

وأحمد كان يعمل ساعات طويلة

 

وكان يحاول أن يوفر كل ما يستطيع

 

لكنه في بعض الأيام كان يعود وهو يشعر أن ما في يده أقل بكثير مما يريد أن يقدمه لمنة

 

لم تكن منة تطلب منه شيئًا

 

لكن هذا لم يمنع أحمد من أن يشعر بالمسؤولية

 

كان في داخله يريد أن يجعلها تعيش أفضل حياة

 

وكان كلما رأى شيئًا يحتاجه البيت يقول لنفسه

 

لازم أجيبه

 

ثم ينظر إلى حساباته

 

ويكتشف أن الأمر يحتاج إلى وقت

 

وفي إحدى الليالي

 

عاد أحمد من عمله

 

وكان صامتًا أكثر من المعتاد

 

لاحظت منة ذلك

 

وقالت

 

مالك

 

قال

 

مفيش

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

إنت مش طبيعي

 

ابتسم وقال

 

طبيعي

 

قالت

 

لا

 

قال

 

بس تعبان

 

قالت

 

مش تعب شغل

 

سكت أحمد

 

وكان واضحًا أنها أصابت الحقيقة

 

قالت

 

في حاجة مضايقاك

 

قال

 

بفكر في المصاريف

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

حاسس إن في حاجات كتير محتاجينها

 

قالت

 

مش مستعجلين

 

قال

 

أنا عايز أجيب لك كل حاجة

 

قالت

 

أنا مش مستنية كل حاجة

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

طب ليه زعلان

 

قال

 

عشان نفسي أكون أحسن

 

اقتربت منه

 

وقالت

 

إنت مش محتاج تكون أحسن عشان أنا أحبك

 

قال

 

بس أنا عايزك تكوني مرتاحة

 

قالت

 

أنا مرتاحة

 

قال

 

بس ممكن تحتاجي حاجة وما تقوليش

 

قالت

 

لو احتجت هقول لك

 

قال

 

أكيد

 

قالت

 

وأنت لو ما قدرتش دلوقتي

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

مش معنى كده إنك قصرت

 

ظل أحمد ينظر إليها

 

وكانت هذه الجملة بالنسبة إليه أكبر من أي شيء

 

قال

 

إنتي فاهمة الموضوع بطريقة مختلفة

 

قالت

 

عشان إحنا اتفقنا من البداية

 

قال

 

على إيه

 

قالت

 

إننا نواجه الحاجة سوا

 

قال

 

صح

 

قالت

 

يبقى ما تشيلش هم لوحدك

 

ثم دخلت إلى المطبخ

 

وعادت بعد دقائق

 

وفي يدها ورقة

 

قال أحمد

 

إيه ده

 

قالت

 

كتبت الحاجات اللي ناقصانا

 

نظر إلى الورقة

 

فوجد أنها قسمت الأشياء إلى أشياء ضرورية وأشياء يمكن تأجيلها

 

قال

 

إنتي عملتي ده

 

قالت

 

آه

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان ما تفضلش شايل هم

 

قال

 

إنتي مش زعلانة إن حاجات لسه ناقصة

 

قالت

 

لا

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان البيت لسه في بدايته

 

قال

 

بس أنا كنت عايز كل حاجة تكون كاملة

 

قالت

 

إحنا مش محتاجين بيت كامل

 

قال

 

أمال

 

قالت

 

محتاجين حياة كاملة

 

قال

 

وإيه الفرق

 

قالت

 

إن البيت ممكن يبقى ناقص كرسي أو جهاز أو حاجة

 

لكن لو قلوبنا فيها راحة يبقى البيت كامل

 

سكت أحمد

 

ثم ابتسم

 

وقال

 

أنا محظوظ بيكي

 

قالت

 

وأنا محظوظة بيك

 

قال

 

بس برضه أنا هشتغل أكتر

 

قالت

 

لا

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان صحتك

 

قال

 

أنا كويس

 

قالت

 

أنا مش عايزة أعيش مرتاحة وإنت تتعب نفسك لحد ما تقع

 

قال

 

أنا عايز أعمل حاجة

 

قالت

 

اعمل

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

اشتغل زي ما تقدر

 

لكن ما تخليش الفلوس تبقى أهم من نفسك

 

ولا أهم مني

 

ولا أهم من بيتنا

 

قال

 

وإنتي

 

قالت

 

أنا هساعدك باللي أقدر عليه

 

قال

 

إزاي

 

قالت

 

بإني ما أضغطش عليك

 

وبإني أكون عاقلة في المصاريف

 

وبإني أعرف الفرق بين اللي محتاجينه واللي نفسنا فيه

 

قال

 

بس أنا خايف يوم تحسي إنك أقل من اللي كنتي بتحلمي بيه

 

قالت

 

أنا كنت بحلم بزوج

 

قال

 

وبعدين

 

قالت

 

لقيت أحمد

 

قال

 

يعني

 

قالت

 

يعني أنت الحلم

 

لم يعرف أحمد ماذا يقول

 

اكتفى بأن ابتسم

 

ثم قال

 

طب تعالي

 

قالت

 

فين

 

قال

 

نقعد

 

جلسا معًا

 

وبدأ أحمد يحكي لها عن سنوات حياته

 

عن المسؤولية التي تحملها مبكرًا

 

وعن إحساسه الدائم بأنه يجب أن يكون قويًا

 

وعن غياب والده

 

وعن الأشياء التي كان يتمنى أن يحققها

 

قال

 

يمكن عشان أبويا مات وأنا صغير

 

فضل جوايا إحساس إني لازم أبقى راجل من بدري

 

قالت

 

وأنت فعلًا بقيت

 

قال

 

بس ساعات بحس إني محتاج حد يقول لي أنا كمان ارتاح

 

قالت

 

أنا هقولها لك

 

قال

 

إمتى

 

قالت

 

كل ما تحتاج

 

ثم قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

إنت مش لازم تثبت لي كل يوم إنك قادر

 

قال

 

إزاي

 

قالت

 

أنا اخترتك وأنا عارفة ظروفك

 

قال

 

وعشان كده

 

قالت

 

وعشان كده أنا مش هقيسك بحاجة معاك

 

هقيسك بحاجة في قلبك

 

قال

 

إنتي عارفة إن الكلام ده بيخليني عايز أعمل أكتر

 

قالت

 

اعمل

 

بس عشان تحب حياتك

 

مش عشان تخاف إني أمشي

 

نظر إليها أحمد طويلًا

 

ثم قال

 

أنا مش خايف إنك تمشي

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان بقيت عارفك

 

قالت

 

وعرفت إيه

 

قال

 

إنك لما تختاري حد

 

بتقفِي جنبه

 

قالت

 

وأنت

 

قال

 

وأنا اخترتك

 

قالت

 

من أول يوم

 

قال

 

ومن أول يوم لآخر يوم

 

ثم ضحكت منة وقالت

 

آخر يوم إيه

 

قال

 

قصدي آخر العمر

 

قالت

 

أهو كده

 

ضحكا معًا

 

ثم تغير الحديث

 

وبدآ يتحدثان عن أشياء بسيطة

 

عن الطعام الذي سيعدانه في اليوم التالي

 

وعن زيارة والدته

 

وعن زيارة أهل منة

 

وعن بعض الأشياء التي يحتاجها البيت

 

وعن مكان يمكن أن يذهبا إليه في نهاية الأسبوع

 

وفي وسط الحديث

 

قالت منة

 

أنا عندي طلب

 

قال

 

قولي

 

قالت

 

ما تقوليش لي كل حاجة ناقصة

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان كل ما تقول لي حاجة ناقصة هتجري تشتريها

 

قال

 

أعمل إيه

 

قالت

 

استنى

 

قال

 

بس

 

قالت

 

نجيب الحاجة لما نقدر

 

قال

 

حاضر

 

قالت

 

وما تستلفش عشان حاجة مش ضرورية

 

قال

 

حاضر

 

قالت

 

وما تتعبش نفسك في شغل زيادة لمجرد إنك عايز تشتري حاجة أنا ممكن أستنى عليها

 

قال

 

حاضر

 

قالت

 

إنت بتقول حاضر كتير

 

قال

 

عشان مراتي بتتكلم صح

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

وأنا بحبك

 

قال

 

وأنا بحبك أكتر

 

ثم سكتا

 

وكان في هذا الصمت شيء عظيم

 

لأنهما اكتشفا أن أول مشكلة حقيقية في حياتهما لم تكن قد فرقت بينهما

 

بل قربتهما أكثر

 

لم تجعل أحمد يشعر أنه فشل

 

بل جعلته يشعر أنه ليس وحده

 

ولم تجعل منة تشعر أنها تنازلت عن شيء

 

بل جعلتها تشعر أنها اختارت شريكًا تستطيع أن تكمل معه

 

وفي نهاية الليل

 

دخل أحمد إلى غرفته

 

وأخرج الورقة التي كتبتها منة

 

نظر إليها

 

ثم احتفظ بها في مكان خاص

 

كانت مجرد قائمة بالمصاريف

 

لكنها بالنسبة إليه أصبحت دليلًا على شيء أكبر

 

أن منة لم تكن تحبه فقط عندما كان يضحك معها

 

بل أحبته أيضًا عندما كان قلقًا

 

وعندما كان المال قليلًا

 

وعندما شعر بالعجز عن توفير كل ما يريد

 

وهنا أدرك أحمد أن الزواج الحقيقي لا يظهر في أيام الفرح فقط

 

بل يظهر عندما تضيق الأيام

 

ويجد الإنسان من يقول له

 

أنا معاك

 

مش عليك

 

وفي الصباح

 

قبل أن يخرج إلى عمله

 

وجد منة تضع له شيئًا في حقيبته

 

قال

 

إيه ده

 

قالت

 

أكلك

 

قال

 

إنتي عاملاه

 

قالت

 

آه

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان ما تشتريش حاجة من بره

 

قال

 

طب والفلوس اللي هتوفر

 

قالت

 

نجيب بيها حاجة للبيت لما نحتاج

 

نظر إليها أحمد

 

ثم قال

 

إنتي بتعرفي تفرحيني من غير ما تعملي حاجة كبيرة

 

قالت

 

وأنت بتفرحني لما ترجع سالم

 

قال

 

هارجع

 

قالت

 

مستنياك

 

قال

 

وعد

 

قالت

 

وعد

 

خرج أحمد

 

وبقيت منة تراقبه من الباب حتى اختفى من أمامها

 

ثم عادت إلى الداخل

 

وكانت تعرف أن حياتهما لن تكون دائمًا سهلة

 

لكنها كانت متأكدة من شيء واحد

 

أنها لم تعد تخاف من صعوبة الأيام

 

لأنها لم تعد تواجهها وحدها.

 

وفي الأيام التالية

 

سيظهر أمامهما أمر جديد

 

شيء صغير في ظاهره

 

لكنه سيكشف لهما أن الزواج ليس فقط مشاركة المال والبيت

 

بل مشاركة الأحلام أيضًا

 

وسيبدأ أحمد ومنة في الحديث لأول مرة بجدية عن المستقبل

 

عن الأسرة التي يريدان بناءها

 

وعن الطفل الذي يتمنيان أن يأتي يومًا

 

وعن البيت الذي يريدان أن يمتلئ يومًا بأصوات صغيرة

 

تجعل كل هذا التعب

 

يبدو جميلًا.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *