...
IMG 20260920 WA0054

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

جاء اليوم الذي ظل أحمد ومنة يتحدثان عنه منذ أن عرفا أن هناك قلبًا صغيرًا بدأ ينمو في حياة لم يكن قد رآها أحد منهما بعد

 

كانا ذاهبين لمتابعة الحمل

 

وكان أحمد طوال الطريق يتصرف بطريقة مختلفة

 

كل دقيقة تقريبًا ينظر إلى منة

 

ثم يسألها

 

إنتي كويسة

 

فتضحك وتقول

 

أنا كويسة

 

ثم بعد دقائق يعيد السؤال

 

فتقول له

 

أحمد أنا كويسة

 

فيقول

 

أنا بس بطمن

 

فترد

 

ما أنا قلت لك

 

فيقول

 

هسأل تاني

 

فتضحك

 

وتقول

 

اسأل براحتك

 

كان القلق واضحًا في عينيه

 

لكن خلف هذا القلق كانت هناك فرحة كبيرة

 

فهو لم يكن ذاهبًا لمجرد متابعة عادية

 

كان يريد أن يرى شيئًا

 

شيئًا طالما تخيله

 

وكانت منة تشعر بنفس الشيء

 

لكنها كانت تحاول أن تبدو أكثر هدوءًا

 

دخل الاثنان

 

وجلسا ينتظران

 

وكان أحمد يمسك يد منة

 

من غير أن يشعر

 

قالت له

 

إنت متوتر

 

قال

 

شوية

 

قالت

 

أنا كمان

 

قال

 

خايفة

 

قالت

 

مش عارفة

 

قال

 

من إيه

 

قالت

 

من أي حاجة

 

قال

 

ربنا يطمننا

 

قالت

 

آمين

 

وبعد قليل

 

جاء موعدهما

 

دخلت منة

 

وكان أحمد بجوارها

 

وفي اللحظة التي بدأت فيها الصورة تظهر أمامهما

 

ظل أحمد ينظر إلى الشاشة

 

وكان يحاول أن يفهم كل شيء

 

لم يكن يعرف أين ينظر

 

ولا ماذا يرى

 

لكنه عندما فهم أن هذا الشيء الصغير الذي يظهر أمامه هو طفله

 

شعر بأن قلبه توقف للحظة

 

قال

 

ده هو

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

آه

 

ظل أحمد صامتًا

 

ثم قال

 

صغير أوي

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

طبعًا

 

قال

 

بس موجود

 

قالت

 

آه

 

قال

 

الحمد لله

 

ثم بدأ يبتسم بطريقة لم تستطع منة أن تنساها

 

كان وجهه كله فرحًا

 

ولم يكن يعرف كيف يخفيه

 

قال

 

أنا شايفه

 

قالت

 

أيوه

 

قال

 

أنا فعلًا شايفه

 

ثم سكت

 

وامتلأت عيناه بالدموع

 

قالت منة

 

بتعيط تاني

 

قال

 

مش قادر

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

مش عارف

 

قالت

 

فرحان

 

قال

 

أوي

 

ثم قال بصوت منخفض

 

يا رب

 

ثم بدأ يدعو

 

يا رب تحفظه

 

يا رب تكمله على خير

 

يا رب ما تحرمناش منه

 

يا رب تطمن قلبي عليه

 

كانت منة تنظر إليه

 

وكانت دموعها هي الأخرى تنزل

 

لكنها كانت تبتسم

 

قالت

 

أنا أول مرة أشوفك كده

 

قال

 

كده إزاي

 

قالت

 

فرحان ومش عارف تعمل إيه

 

ضحك

 

وقال

 

أنا مش عارف أعمل إيه فعلًا

 

ثم قال

 

هو سامعنا

 

قالت

 

مش عارف

 

قال

 

طب أنا هكلمه

 

قالت

 

اتفضل

 

اقترب أحمد من منة

 

وقال

 

يا ابني

 

ثم سكت

 

وقال

 

أو يا بنتي

 

ضحكت منة

 

وقال

 

إحنا مستنيينك

 

ثم قال

 

بس أوعى تتأخر

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

إنت بتتكلم معاه كأنه بيفهمك

 

قال

 

مش مهم

 

أنا عايز أقوله

 

قالت

 

قول

 

قال

 

إن ماما بتحبك من قبل ما تشوفك

 

قالت

 

وبابا

 

قال

 

بابا مستنيك

 

ثم نظر إلى منة

 

وقال

 

ومش عارف يشكر ربنا إزاي

 

بعد أن انتهيا

 

خرجا

 

وكان أحمد طوال الطريق ينظر إلى الصورة التي أعطيت لهما

 

وكأنه حصل على شيء ثمين جدًا

 

قالت منة

 

إنت هتفضل باصص عليها طول الطريق

 

قال

 

آه

 

قالت

 

مش هتزهق

 

قال

 

دي أول صورة ليه

 

قالت

 

بس مش هتبقى أوضح صورة

 

قال

 

مش مهم

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان أول مرة أشوفه

 

ثم وضع الصورة في محفظته بعناية

 

وقالت له منة

 

إنت حاططها في المحفظة

 

قال

 

آه

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان تبقى معايا

 

قالت

 

في الشغل

 

قال

 

في كل مكان

 

قالت

 

هتفرج عليها كل شوية

 

قال

 

أكيد

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

هتشتغل إزاي

 

قال

 

هشتغل عشانها

 

ثم سكت

 

وكانت هذه الكلمة صادقة جدًا

 

فمنذ تلك اللحظة لم يعد أحمد يعمل فقط من أجل نفسه

 

أصبح يرى في كل ساعة عمل

 

غرفة

 

وطعامًا

 

وملابس

 

ومستقبلًا

 

وطفلًا صغيرًا يريد أن يوفر له الأمان

 

لكن منة لاحظت شيئًا

 

أن أحمد بدأ يضغط على نفسه أكثر

 

فقالت له في الطريق

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

ما تحملش نفسك فوق طاقتك

 

قال

 

أنا كويس

 

قالت

 

عارفة إنك كويس

 

بس أنا مش عايزة الطفل ييجي يلاقي أبوه مستنزف

 

قال

 

أنا لازم أعمل حاجة

 

قالت

 

اعمل

 

بس بالعقل

 

قال

 

حاضر

 

قالت

 

إحنا مش محتاجين نبدأ حياة مثالية

 

قال

 

أنا عايز أأمن مستقبله

 

قالت

 

مستقبله مش فلوس بس

 

قال

 

عارفة

 

قالت

 

مستقبله أب وأم بيحبوا بعض

 

قال

 

وأنا هدي له الاتنين

 

قالت

 

ووعد

 

قال

 

وعد

 

وفي المساء

 

عادا إلى البيت

 

وكانت الصورة موضوعة أمامهما

 

كل فترة ينظر أحدهما إليها

 

ثم ينظر الآخر

 

قالت منة

 

أنا لسه مش مستوعبة

 

قال أحمد

 

أنا كمان

 

قالت

 

يعني إحنا بقينا مسؤولين عن روح

 

قال

 

ربنا يعينا

 

قالت

 

آمين

 

ثم بدأت منة تفكر بصوت عالٍ

 

وقالت

 

هنعمل له إيه

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

الأوضة

 

قال

 

لسه بدري

 

قالت

 

بس لازم نفكر

 

قال

 

نفكر

 

قالت

 

والهدوم

 

قال

 

بدري

 

قالت

 

والاسم

 

قال

 

بدأنا

 

ضحكت

 

وقالت

 

أهو رجعنا لنفس الخناقة

 

قال

 

أنا المرة دي مش هتنازل

 

قالت

 

وأنا كمان

 

قال

 

طب نأجلها

 

قالت

 

تمام

 

ثم سكتا

 

وبعد قليل قالت منة

 

نفسي يكون طفلنا سعيد

 

قال

 

هيكون

 

قالت

 

ونفسي ما يخافش مننا

 

قال

 

مش هيخاف

 

قالت

 

ونفسي لما يغلط يرجع لنا

 

قال

 

هنخليه يحس إن البيت أمان

 

قالت

 

حتى لو الدنيا كلها وحشة

 

قال

 

بيتنا يفضل مكانه الآمن

 

قالت

 

وحتى لو اختلفنا

 

قال

 

مش قدامه

 

قالت

 

ولو احتاجنا

 

قال

 

هنطلب مساعدة

 

قالت

 

ولو ربنا رزقنا أكتر

 

قال

 

هنساعد غيرنا

 

قالت

 

ولو ربنا ضيقها

 

قال

 

هنصبر

 

ثم قالت منة

 

أنا حاسة إن الطفل ده غيرنا

 

قال

 

إزاي

 

قالت

 

خلانا نفكر أكبر من نفسنا

 

قال

 

هو لسه ما جاش

 

قالت

 

بس غيرنا

 

قال

 

الحمد لله

 

وفي تلك الليلة

 

نامت منة وهي تضع يدها على بطنها

 

وكان أحمد بجوارها

 

وقبل أن ينام

 

قال

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

نفسي أقول له حاجة

 

قالت

 

قول

 

قال

 

لو في يوم كبر

 

وقرأ قصتنا

 

عايزه يعرف إننا كنا مستنيينه من أول لحظة

 

قالت

 

وهنحكي له كل حاجة

 

قال

 

حتى الملاهي

 

قالت

 

خصوصًا الملاهي

 

قال

 

والمصاصات

 

قالت

 

دي أهم حاجة

 

ضحكا

 

ثم قال أحمد

 

والحسين

 

قالت

 

والحسين

 

قال

 

وأول يوم شوفنا فيه بعض

 

قالت

 

وكل حاجة

 

قال

 

كل حاجة

 

ثم سكت

 

وأغلق عينيه

 

وكانت الصورة الصغيرة موضوعة بجوار سريرهما

 

لكنها لم تكن مجرد صورة

 

كانت أول نافذة فتحها الله لهما على مستقبل لم يعرفا تفاصيله بعد

 

وكان أحمد ومنة لا يعرفان كيف ستتغير حياتهما عندما يأتي ذلك الطفل

 

ولا كيف ستتغير قلوبهما

 

ولا كم من الليالي سيقضيانها بلا نوم

 

ولا كم مرة سيختلفان ثم يضحكان

 

ولا كم مرة سيشعران بالخوف ثم يطمئنان

 

لكن الشيء الوحيد الذي كانا متأكدين منه

 

أن الحب الذي جمعهما لم يعد اثنين فقط

 

لقد بدأ يأخذ شكل عائلة

 

وكل يوم يمر

 

كان يقربهما أكثر من اللحظة التي سيحملان فيها طفلتهما بين أيديهما

 

لحظة ستجعل أحمد يفهم لأول مرة

 

أن هناك نوعًا من الحب

 

لا تستطيع الكلمات أن تصفه

 

لأنك عندما تحب طفلًا لم تره بعد

 

ثم تراه

 

تشعر أن قلبك كان يعرفه

 

قبل عينيك.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *