...
IMG 20260920 WA0050

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يكن حديثهما عن المستقبل في تلك الليلة مجرد كلام عابر

 

فمنذ أن أصبح البيت يجمعهما تحت سقف واحد بدأت الأحلام التي كانا يتحدثان عنها في فترة الخطوبة تأخذ شكلًا مختلفًا

 

لم تعد مجرد جمل يقولها أحمد لمنة عبر الهاتف

 

ولا أمنيات تتخيلها منة وهي عائدة إلى بيت أهلها

 

أصبح هناك بيت فعلًا

 

ومطبخ

 

وغرفة

 

وصالة

 

وأيام مشتركة

 

وأصبح من الطبيعي أن يسأل أحدهما الآخر

 

إحنا عايزين حياتنا تبقى إزاي

 

وفي إحدى الليالي

 

كان أحمد ومنة يجلسان معًا بعد يوم طويل

 

وكانت منة ترتب بعض الأشياء بينما أحمد ينظر إليها

 

ثم قال

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

إنتي نفسك في إيه

 

قالت

 

دلوقتي

 

قال

 

آه

 

قالت

 

إننا نفضل مبسوطين

 

قال

 

دي مش إجابة

 

قالت

 

أمال إيه

 

قال

 

أنا عايز أعرف نفسك في إيه بعد كام سنة

 

جلست منة بجواره

 

وقالت

 

عايزة بيتنا يبقى أحسن

 

قال

 

وبعدين

 

قالت

 

عايزة نبقى أقرب لربنا

 

قال

 

وبعدين

 

قالت

 

عايزة أهلنا يفضلوا حوالينا

 

قال

 

وبعدين

 

ابتسمت

 

وقالت

 

عايزة يكون عندنا أولاد

 

ابتسم أحمد

 

وقال

 

كنت مستنيها

 

قالت

 

مستني إيه

 

قال

 

إنك تقوليها

 

قالت

 

وأنت

 

قال

 

أنا من زمان نفسي

 

قالت

 

في ولد ولا بنت

 

قال أحمد

 

بنت

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

ليه بنت

 

قال

 

مش عارف

 

قالت

 

ولو ولد

 

قال

 

هفرح

 

قالت

 

ولو بنت

 

قال

 

هفرح أكتر

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان هتبقى نسخة منك

 

قالت

 

وإنت متأكد إني هخليها نسخة مني

 

قال

 

مش عايزها نسخة منك

 

قالت

 

أمال

 

قال

 

عايزها تكون نفسها

 

قالت

 

حلو

 

قال

 

بس تاخد منك الحنية

 

قالت

 

وتاخد منك إيه

 

قال

 

تضحك عليا

 

قالت

 

أنا

 

قال

 

آه

 

قالت

 

إنت اللي بتضحك عليا

 

قال

 

هنشوف

 

ثم بدأ الحديث يأخذ شكلًا آخر

 

بدأ كل واحد منهما يتخيل كيف سيكون أبًا وأمًا

 

قالت منة

 

أنا عايزة أولادنا يعرفوا إن باباهم بيحب مامتهم

 

قال

 

وأنا عايزهم يشوفوا إن مامتهم بتحترم باباهم

 

قالت

 

وعايزة لما نختلف قدامهم ما نخوفهمش

 

قال

 

ولا نجرح بعض

 

قالت

 

ولو في حاجة مضايقانا

 

قال

 

نتكلم بعيد عنهم

 

قالت

 

ولو غلطوا

 

قال

 

نعلمهم

 

قالت

 

مش نخوفهم

 

قال

 

صح

 

قالت

 

ولو نجحوا

 

قال

 

نفرح بيهم

 

قالت

 

ولو فشلوا

 

قال

 

نقف جنبهم

 

قالت

 

ولو الدنيا كسرتهم

 

قال

 

نعلمهم يقوموا

 

قالت

 

ولو اتأخروا في حاجة

 

قال

 

ما نقارنهمش بحد

 

قالت

 

أنت فكرت في كل ده

 

قال

 

يمكن عشان أنا عرفت يعني إيه طفل يحتاج حاجة وميلقهاش

 

سكتت منة

 

فهمت ما يقصده

 

ثم قالت

 

عشان أبوك

 

قال

 

آه

 

قال

 

أنا كان نفسي يكون موجود وأنا صغير

 

قال

 

كان نفسي أعرف منه حاجات كتير

 

قال

 

وكان نفسي لما أكبر ألاقيه قدامي وأقوله أنا بقيت إيه

 

قال

 

بس ربنا كتب حاجة تانية

 

سكت قليلًا

 

ثم قال

 

عشان كده لو ربنا رزقنا بأولاد

 

مش عايزهم في يوم يقولوا كان نفسنا بابا كان موجود

 

اقتربت منة منه

 

وقالت

 

مش هيقولوا

 

قال

 

إزاي

 

قالت

 

عشان إنت هتبقى موجود

 

نظر إليها أحمد

 

وقال

 

إنتي عارفة إن الجملة دي بتفرق معايا

 

قالت

 

عارفة

 

قال

 

أنا نفسي أديهم حاجات أنا ما أخدتهاش

 

قالت

 

وهما هيحبوا أبوهم

 

قال

 

نفسي

 

قالت

 

مش بس هيحبوه

 

هيكونوا فخورين بيه

 

ابتسم أحمد

 

وقال

 

يا رب

 

قالت

 

آمين

 

ثم بدأ كل واحد منهما يتحدث عن تفاصيل صغيرة جدًا

 

عن اسم الطفلة إذا رزقهما الله ببنت

 

وعن الاسم الذي يمكن أن يختاراه للولد

 

اختلفا

 

ثم اتفقا

 

ثم اختلفا مرة أخرى

 

وضَحِكا

 

حتى إن أحمد قال

 

إحنا هنختلف على اسم الطفل قبل ما ييجي

 

قالت منة

 

ما إحنا لازم نتدرب

 

قال

 

على إيه

 

قالت

 

على التربية

 

ضحك أحمد

 

وقال

 

ربنا يستر

 

ثم قالت

 

بس في حاجة

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

أنا مش عايزة أولادنا يشوفوا إننا بنحب بعض بس بالكلام

 

قال

 

أمال

 

قالت

 

عايزة يشوفوا ده في تصرفاتنا

 

قال

 

زي إيه

 

قالت

 

لما تكون تعبان

 

أهتم بيك

 

ولما أكون تعبانة

 

تهتم بيا

 

قال

 

ولما يكون عندنا مشكلة

 

نحلها

 

قالت

 

ولما نختلف

 

نرجع

 

قال

 

ولما الدنيا تضيق

 

نصبر

 

قالت

 

ولما الدنيا تفتح

 

نحمد ربنا

 

قال

 

إنتي عارفة إنك بتتكلمي زيي

 

قالت

 

يمكن عشان بقينا شبه بعض

 

قال

 

لا

 

قالت

 

أمال

 

قال

 

عشان بقينا بنفكر في نفس الاتجاه

 

وكان هذا أكثر شيء أعجب أحمد في علاقته بمنّة

 

أن الحب لم يجعل كل واحد منهما نسخة من الآخر

 

بل جعلهما يفهمان بعضهما

 

وكانت منة في بعض الأحيان تفكر بطريقة مختلفة عنه

 

لكنها لم تكن تخاف من اختلافها

 

وأحمد لم يكن يشعر أن اختلافها تهديد له

 

بل كان يراه شيئًا يضيف إلى حياتهما

 

وفي صباح اليوم التالي

 

ذهب أحمد إلى عمله

 

وقبل أن يخرج

 

قالت منة

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

إنت قلت لي امبارح إنك نفسك في بنت

 

قال

 

آه

 

قالت

 

لو جت

 

هتعمل إيه

 

قال

 

هخاف عليها منك

 

ضحكت

 

وقالت

 

ليه

 

قال

 

عشان هتدلعيها

 

قالت

 

وأنت

 

قال

 

أنا هكون أشد شوية

 

قالت

 

مش هتقدر

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

لأنك من دلوقتي بتتكلم عنها كأنها موجودة

 

ضحك أحمد

 

وقال

 

ممكن

 

ثم قال

 

بس لو جات

 

عايز أول حاجة أعملها

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

أحمدها ربنا

 

قالت

 

وأنا كمان

 

قال

 

وبعدين

 

قالت

 

نربيها سوا

 

قال

 

سوا

 

قالت

 

مش كل واحد لوحده

 

قال

 

وعد

 

قالت

 

وعد

 

مرت الأيام

 

وبدأ الحديث عن المستقبل يتكرر

 

لكن لم يكن هناك استعجال

 

كانا يعرفان أن لكل شيء وقته

 

وأن الرزق لا يأتي بالإجبار

 

وأن أجمل الأشياء هي التي تأتي عندما يأذن الله بها

 

وكان أحمد أحيانًا يشتري شيئًا صغيرًا للبيت

 

فتقول منة

 

إحنا مش محتاجينه

 

فيقول

 

بس عجبني

 

فتقول

 

ليه

 

فيقول

 

عشان لما يبقى عندنا أولاد يبقى البيت جاهز

 

فتضحك

 

وتقول

 

إنت مستعجل

 

فيقول

 

مش مستعجل

 

بس بحب أتخيل

 

فتقول

 

وأنا كمان

 

وهكذا بدأت فكرة الأسرة تكبر في قلبهما

 

بهدوء

 

من غير ضغط

 

ومن غير استعجال

 

مجرد حلم جميل يتمنيان أن يرزقهما الله به في الوقت المناسب

 

وفي إحدى الليالي

 

قال أحمد

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

لو ربنا رزقنا ببنت

 

عايزها تعرف حاجة

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

إن أمها كانت أول حب في حياة أبوها

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

وأنا عايزة بنتنا تعرف إن أبوها كان دايمًا شايف أمها أجمل واحدة

 

قال

 

حتى لو كبرنا

 

قالت

 

خصوصًا لو كبرنا

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان الحب الحقيقي بيبان بعد السنين

 

سكت أحمد

 

ثم قال

 

إنتي عارفة إنك بتقولي كلام يخلي الواحد يحبك أكتر

 

قالت

 

وإنت فاكر إنك محتاج سبب

 

قال

 

لا

 

قالت

 

أمال

 

قال

 

أنا كل يوم بحبك من غير سبب

 

قالت

 

وأنا كمان

 

ثم أطفآ الضوء

 

وبقيت أضواء الشارع تدخل من النافذة بهدوء

 

وكان كل واحد منهما يتخيل مستقبلًا لا يعرف تفاصيله

 

لكن يعرف شيئًا واحدًا عنه

 

أنه سيكون مع الآخر

 

ولم يكن أحمد يعرف أن الأيام القادمة ستأتي بخبر صغير

 

خبر سيقلب شكل البيت كله

 

وسيحوّل ذلك الحلم الذي ظل الاثنان يتحدثان عنه

 

من مجرد حديث قبل النوم

 

إلى حقيقة تملأ البيت انتظارًا وفرحًا وخوفًا ودعاءً

 

وسيبدأ أحمد ومنة في اكتشاف نوع جديد من الحب

 

حب لا يكون بين رجل وامرأة فقط

 

بل بين أب وأم

 

وقلب صغير لم يصل بعد

 

لكنه بدأ يحتل مساحة كبيرة جدًا في أحلامهما.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *