...
IMG 20260920 WA0052

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

منذ اليوم الذي عرف فيه أحمد ومنة أن هناك طفلًا صغيرًا بدأ رحلته إليهما تغيرت أشياء كثيرة في البيت

 

لم يتغير البيت نفسه

 

فالأثاث في مكانه

 

والجدران كما هي

 

والأيام ما زالت تبدأ وتنتهي بالطريقة نفسها

 

لكن شيئًا جديدًا أصبح يسكن قلوبهما

 

أصبح هناك شخص ثالث حاضر في كل حديث

 

حتى لو لم يكن قد جاء إلى الدنيا بعد

 

كان أحمد يستيقظ أحيانًا قبل منة

 

وينظر إليها

 

ثم يبتسم

 

ويقول في نفسه

 

أنا بقيت أب

 

وكانت الكلمة نفسها تجعله يشعر بمسؤولية كبيرة

 

لكنه كان يشعر معها بفرحة أكبر

 

أما منة

 

فبدأت تشعر بتغيرات جديدة في جسدها

 

وكانت بعض الأيام تمر عليها بسهولة

 

وأيام أخرى تشعر فيها بالتعب

 

وفي كل مرة كانت تحاول أن تخفي تعبها عن أحمد

 

لكن أحمد كان قد أصبح يعرفها جيدًا

 

وفي إحدى الليالي

 

عاد من عمله

 

فوجدها جالسة على الأريكة

 

ولم تكن تتحرك كثيرًا

 

قال

 

إنتي تعبانة

 

قالت

 

شوية

 

قال

 

من إمتى

 

قالت

 

من بدري

 

قال

 

طب ليه ما قولتيش

 

قالت

 

عشان ما أقلقكش

 

قال

 

هو أنا لما أعرف هقلق أقل

 

ابتسمت

 

وقالت

 

كنت عارفة إنك هتقول كده

 

جلس بجوارها

 

وقال

 

طب ارتاحي

 

قالت

 

أنا كويسة

 

قال

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

أنا مش عايزك تستحملي حاجة لوحدك

 

قالت

 

حاضر

 

ثم أحضر لها الماء

 

وجلس بجوارها

 

وقال

 

إحنا الاتنين في الموضوع ده

 

قالت

 

عارفة

 

قال

 

يعني لو تعبتي

 

قالت

 

أقول لك

 

قال

 

ولو خوفتِ

 

قالت

 

أقول لك

 

قال

 

ولو فرحتي

 

قالت

 

أقول لك

 

قال

 

ولو اشتهيتي حاجة غريبة

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

مش هقول

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان هتجري تدور عليها

 

قال

 

حتى لو في آخر الدنيا

 

قالت

 

عشان كده مش هقول

 

ضحك أحمد

 

وقال

 

خلاص

 

بس لو نفسك في حاجة قولي

 

قالت

 

حاضر

 

وبدأت الأيام تمر

 

وأصبح أحمد أكثر اهتمامًا بكل التفاصيل

 

يسألها إن كانت تناولت الطعام

 

ويذكرها بالراحة

 

ويحاول ألا يتركها وحدها وقت التعب

 

وكانت منة أحيانًا تضحك عليه

 

وتقول

 

إنت بقيت دكتور

 

فيقول

 

أنا بقيت أب

 

فتقول

 

لسه

 

فيقول

 

من دلوقتي

 

وكانت هذه الكلمة تفرحها جدًا

 

وفي أحد الأيام

 

جلسا يتحدثان عن الطفل

 

قالت منة

 

تفتكر هيكون ولد ولا بنت

 

قال أحمد

 

أنا لسه على رأيي

 

قالت

 

بنت

 

قال

 

آه

 

قالت

 

ولو ولد

 

قال

 

هفرح

 

قالت

 

بس أنت عايز بنت

 

قال

 

عشان تبقى حنينة زيك

 

قالت

 

ولو ولد

 

قال

 

يبقى جدع زي أمه

 

ضحكت

 

وقالت

 

أنا مش فاهمة

 

قال

 

أنا شايفك أقوى مما تتخيلي

 

قالت

 

إزاي

 

قال

 

أنتي لما بتحبي حد بتقفِي جنبه

 

قالت

 

وأنت

 

قال

 

أنا

 

قالت

 

أنت بتقف جنبي

 

قال

 

أنا واقف جنبك من زمان

 

قالت

 

من الخطوبة

 

قال

 

من أول ما شفتك

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

فاكر أول يوم

 

قال

 

مستحيل أنساه

 

قالت

 

كنت متردد

 

قال

 

كنت خايف أظلمك

 

قالت

 

وأنا كنت بفكر

 

قال

 

وبعدين

 

قالت

 

ربنا كتبنا لبعض

 

قال

 

الحمد لله

 

ثم وضع أحمد يده على يدها

 

وقال

 

عارفة

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

أنا كنت فاكر إن أجمل حاجة حصلت لي هي إني اتجوزتك

 

قالت

 

ودلوقتي

 

قال

 

دلوقتي عرفت إن ربنا كان بيجهز لي حاجة أكبر

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

إننا نبقى أسرة

 

نظرت إليه منة

 

ثم ابتسمت

 

وقالت

 

نفسي طفلنا يعرف قد إيه إحنا كنا مستنيينه

 

قال

 

هيعرف

 

قالت

 

ونحكيله إننا كنا بنتخانق على اسمه

 

قال

 

وهنقوله إن أمه كانت بتكسب

 

قالت

 

طبعًا

 

قال

 

مش هنقوله إني كنت بكسب أحيانًا

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان صورتي قدامه

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

إنت خايف على هيبتك من دلوقتي

 

قال

 

أكيد

 

قالت

 

أنا هبوظها

 

قال

 

إزاي

 

قالت

 

هقول له إنك كنت بتخاف من الألعاب في الملاهي

 

قال

 

أنا

 

قالت

 

آه

 

قال

 

أنتي اللي كنتي بتصوتي

 

قالت

 

كنت بعمل نفسي خايفة

 

قال

 

آه طبعًا

 

قالت

 

عشان تفرح

 

قال

 

يعني كنتي بتمثلي

 

قالت

 

شوية

 

ضحكا معًا

 

ثم صمتا

 

وكانت منة تضع يدها على بطنها

 

رغم أن الوقت ما زال مبكرًا جدًا

 

لكنها كانت تفعل ذلك بعفوية

 

لاحظ أحمد

 

وقال

 

بتعملي إيه

 

قالت

 

ولا حاجة

 

قال

 

حاسه بحاجة

 

قالت

 

مش عارفة

 

قال

 

أنا كل شوية ببص على بطنك

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

بحاول أتخيل

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

الحياة اللي جواكي

 

قالت

 

غريبة

 

قال

 

جدا

 

ثم قال

 

أنا كان نفسي أشوف أبويا وأنا صغير

 

قالت

 

عارفة

 

قال

 

بس يمكن ربنا عوضني بحاجة تانية

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

إني أعيش مع ابني أو بنتي كل اللحظات اللي ما عشتهاش معاه

 

قالت

 

وهتعمل كده

 

قال

 

هحاول بكل حاجة عندي

 

قالت

 

ومش هتبقى لوحدك

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

أنا معاك

 

قال

 

وعشان كده أنا مطمن

 

بدأت منة بعدها تهتم أكثر بصحتها

 

وأحمد أصبح يهتم بها أكثر

 

وكانت والدته تتصل بها باستمرار

 

وتسأل عنها

 

وكذلك والدة منة

 

وكانت كل واحدة منهما تحاول أن تساعد بطريقتها

 

وأحيانًا كانت منة تضحك وتقول لأحمد

 

مامتك اتصلت مرتين النهارده

 

فيقول

 

عشان بتخاف عليكي

 

فتقول

 

وأمي اتصلت ثلاث مرات

 

فيقول

 

خلاص

 

يبقى أنا أقل واحد في البيت

 

فتضحك

 

وكانت هذه التفاصيل تجعل الأسرة كلها تشعر أن هناك حياة جديدة بدأت تتشكل

 

ولم يكن أحمد ومنة وحدهما ينتظران الطفل

 

بل كان الجميع ينتظر معه

 

وفي إحدى الليالي

 

قالت منة

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا خايفة

 

قال

 

من إيه

 

قالت

 

من المسؤولية

 

قال

 

وأنا كمان

 

قالت

 

إنت بتخاف

 

قال

 

آه

 

قالت

 

كنت فاكرة إنك مش بتخاف

 

قال

 

أنا بخاف

 

بس ما بحبش أبين

 

قالت

 

وأنا كمان

 

قال

 

بس هنخاف سوا

 

قالت

 

ونفرح سوا

 

قال

 

ونتعلم سوا

 

قالت

 

ونغلط سوا

 

قال

 

ونصلح سوا

 

قالت

 

ونربي سوا

 

قال

 

ونكبر سوا

 

قالت

 

إن شاء الله

 

ثم قالت

 

أنا نفسي طفلنا لما يكبر يقول إن أمي وأبويا كانوا بيحبوا بعض

 

قال أحمد

 

مش بس يقول

 

عايزه يشوف

 

قالت

 

إزاي

 

قال

 

في طريقة كلامنا

 

وفي احترامنا لبعض

 

وفي البيت اللي هنعيش فيه

 

قالت

 

وفي دعائنا

 

قال

 

أيوه

 

وفي كل حاجة

 

ثم نظر أحمد إليها وقال

 

أنا نفسي أول دعوة يسمعها طفلنا تكون مننا

 

قالت

 

هنعمل كده

 

قال

 

ونشكره قبل ما نشكره

 

قالت

 

يعني

 

قال

 

نحمد ربنا على وجوده قبل ما نطلب أي حاجة تانية

 

قالت

 

صح

 

وفي نهاية تلك الليلة

 

نامت منة

 

وظل أحمد للحظات مستيقظًا

 

كان ينظر إليها

 

ثم ينظر إلى بطنها

 

وكأنه يحاول أن يرى المستقبل

 

كان يعرف أن الطريق أمامهما طويل

 

وأن هناك أيامًا سيضحكان فيها

 

وأيامًا سيبكيان فيها

 

وأيامًا سيشعران فيها أن المسؤولية أكبر منهما

 

لكنه كان يعرف أيضًا أن الحب الذي بدأ بنظرة هادئة في بيت بسيط

 

ثم كبر في الخطوبة

 

ثم تحول إلى بيت

 

ثم أصبح حلمًا صغيرًا في قلبهما

 

لم يعد مجرد قصة حب

 

لقد أصبح عائلة

 

وفي الأيام القادمة

 

سيأتي موعد جديد

 

موعد سيجلس فيه أحمد ومنة أمام صورة صغيرة على شاشة

 

ويحاولان للمرة الأولى أن يتخيلا ملامح ذلك القلب الصغير الذي أصبح يحتل كل هذا المكان في حياتهما.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *