...
IMG 20260920 WA0055

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

مرت الأيام سريعًا

 

وكأن الوقت كان يجري بهما نحو لحظة لا يعرفان كيف ستكون

 

منذ أن ظهرت تلك الصورة الصغيرة أمام عيني أحمد ومنة أصبح لكل يوم معنى مختلف

 

لم يعد أحمد عندما يذهب إلى عمله يفكر فقط في العودة إلى البيت

 

بل أصبح يفكر في اليوم الذي سيعود فيه ويجد طفلته بين ذراعي منة

 

وكانت منة كلما شعرت بحركة صغيرة داخلها تضع يدها على بطنها وتبتسم

 

وأحيانًا كانت تتصل بأحمد أثناء عمله وتقول له

 

حصلت حاجة

 

فيخاف ويقول

 

إيه

 

فتقول

 

ابنك أو بنتك اتحركت

 

فيضحك أحمد ويقول

 

بتتحرك وأنا مش موجود

 

فترد

 

لما ترجع هخليها تتحرك لك

 

وكان يظل طوال الليل يتحدث معها وكأنه يحاول أن يعوض كل لحظة لم يكن فيها بجوارها

 

ومع مرور الوقت أصبحت الأيام أثقل على منة

 

وكان أحمد يحاول قدر استطاعته أن يكون قريبًا منها

 

يساعدها في الأشياء التي تتعبها

 

ويحاول ألا يترك عليها مسؤولية أكبر من قدرتها

 

وكانت والدته ووالدة منة تتابعان معها باستمرار

 

كل واحدة تحاول أن تساعد بطريقتها

 

وكان البيت الذي بدأ صغيرًا وبسيطًا قبل سنوات

 

يستعد الآن لاستقبال صوت جديد

 

صوت لم يسمعه أحد منهم بعد

 

لكن الجميع كان ينتظره

 

وفي الأيام الأخيرة

 

كان القلق قد بدأ يزداد

 

أحمد أصبح يسأل منة أكثر من مرة في اليوم

 

إنتي كويسة

 

وهي تضحك وتقول

 

أنا كويسة

 

فيقول

 

أنا بس بطمن

 

فتقول

 

أنت هتفضل تسأل لحد ما تولد

 

فيقول

 

آه

 

فتضحك

 

وفي إحدى الليالي

 

شعرت منة أن الأمر مختلف هذه المرة

 

نظرت إلى أحمد

 

وقالت

 

أحمد

 

استيقظ فورًا

 

وقال

 

في إيه

 

قالت

 

مش عارفة

 

لكن إحنا لازم نتحرك

 

لم يحتج أحمد إلى شرح

 

قام بسرعة

 

وكان القلق في وجهه واضحًا

 

قال

 

جاهزين

 

قالت

 

آه

 

تحرك الاثنان

 

وكان أحمد يحاول أن يبدو ثابتًا أمام منة

 

لكنه من الداخل كان يشعر أن قلبه يركض قبله

 

كان يريد أن يطمئن عليها

 

وفي الوقت نفسه كان هناك شيء آخر يملأ قلبه

 

كان يعرف أن اللحظة التي حلم بها منذ أشهر قد اقتربت

 

لكن الخوف عليها كان أكبر من أي فرحة

 

ظل بجوارها

 

وكلما شعر أنها تتألم

 

كان يمسك يدها

 

ويقول

 

أنا هنا

 

وكانت منة تنظر إليه

 

فتشعر بالأمان

 

حتى وهي تمر بأصعب لحظاتها

 

قالت له في لحظة

 

أنا خايفة

 

اقترب منها

 

وقال

 

وأنا معاكي

 

قالت

 

ما تسبنيش

 

قال

 

مش هسيبك

 

قالت

 

وعد

 

قال

 

وعد

 

ومرت الساعات

 

وكانت طويلة جدًا

 

حتى إن أحمد شعر أن الساعة لا تتحرك

 

كل دقيقة كانت بالنسبة إليه عمرًا كاملًا

 

وكان يدعو

 

يا رب سلمها

 

يا رب تقوم بخير

 

يا رب أشوفها كويسة

 

يا رب أشوف طفلنا بخير

 

ولم يكن في دعائه أي شيء آخر

 

نسي نفسه تمامًا

 

ولم يعد يفكر في العمل

 

ولا المال

 

ولا البيت

 

ولا أي شيء

 

كان كل ما يريده أن يرى منة بخير

 

ثم جاء الوقت الذي انتظراه طويلًا

 

وخرجت إلى الدنيا أول صرخة

 

صرخة صغيرة

 

لكنها هزت قلب أحمد بطريقة لم يشعر بها من قبل

 

ظل للحظات غير قادر على الكلام

 

ثم قال

 

الحمد لله

 

الحمد لله

 

وبدأت دموعه تنزل

 

لم يكن يحاول إخفاءها

 

لم يكن هناك سبب لإخفائها

 

ففي تلك اللحظة لم يكن أحمد الرجل الذي اعتاد أن يخفي خوفه

 

ولا الزوج الذي يحاول دائمًا أن يبدو قويًا

 

كان فقط أبًا

 

أصبح أبًا للمرة الأولى

 

وعندما عرف أنها بنت

 

ابتسم

 

وضَحِك

 

ثم بكى مرة أخرى

 

وقال

 

بنت

 

كانت منة متعبة

 

لكنها عندما سمعت صوته

 

ابتسمت

 

وقالت

 

بنت

 

قال

 

أيوه

 

قالت

 

الحمد لله

 

اقترب منها

 

وقال

 

الحمد لله إنك بخير

 

قالت

 

هي كويسة

 

قال

 

كويسة

 

ثم نظر إلى طفلته

 

وكانت صغيرة جدًا

 

هادئة

 

لا يعرف ملامحها بعد

 

لكن قلبه كان يعرفها

 

قال

 

دي بنتي

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

أيوه

 

قال

 

أنا مش مصدق

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

أنا كنت بتخيلها

 

قال

 

بس دي أحلى من كل اللي تخيلته

 

وكان ينظر إليها وكأنه يريد أن يحفظ كل تفصيلة في وجهها

 

ثم حملها

 

كانت يداه ترتجفان

 

قالت منة

 

خايف توقعها

 

قال

 

أنا خايف ألمسها أصلًا

 

ضحكت

 

وقالت

 

دي بنتك

 

قال

 

عارف

 

ثم نظر إليها

 

وقال بصوت منخفض

 

أهلًا يا حبيبتي

 

أنا أبوكي

 

ثم سكت قليلًا

 

وقال

 

أنا كنت مستنيكي

 

وكانت منة تنظر إليه

 

والدموع في عينيها

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

شايف فرحتك

 

قال

 

مش قادر أوصفها

 

قالت

 

أنا كمان

 

قال

 

إحنا بقينا تلاتة

 

قالت

 

آه

 

قال

 

تلاتة

 

ثم ضحك وقال

 

البيت هيبقى دوشة

 

قالت

 

وإنت اللي كنت نفسك في بنت

 

قال

 

أنا ما كنتش أعرف إني هحبها كده

 

قالت

 

لسه

 

قال

 

لسه إيه

 

قالت

 

استنى لما تكبر

 

قال

 

أنا من دلوقتي خايف عليها

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

ربنا يعينك

 

ثم اقترب أحمد من منة

 

وقال

 

شكرًا

 

قالت

 

على إيه

 

قال

 

على كل حاجة

 

قالت

 

إحنا عملناها سوا

 

قال

 

عارف

 

ثم نظر إلى طفلته

 

وقال

 

أمك تعبت عشانك

 

ثم نظر إلى منة

 

وقال

 

وأنا مش هنساها

 

كانت تلك اللحظة بالنسبة إلى أحمد أكبر من كل ما مر به في حياته

 

تذكر والده

 

وتذكر كيف كان يتمنى عندما كان صغيرًا أن يكون له أب بجواره

 

ثم نظر إلى طفلته

 

وشعر أنه فهم لأول مرة معنى تلك الأمنية القديمة

 

لم يكن يريد أن يكون أبًا مثاليًا

 

كان يريد فقط أن يكون موجودًا

 

أن تكون ابنته قادرة في يوم من الأيام على أن تبحث عنه فتجده

 

أن تحتاج إليه فتراه

 

أن تخاف فتجري إليه

 

أن تفرح فتشاركه فرحتها

 

أن تكبر ولا تقول يومًا

 

كان نفسي بابا يكون موجود

 

وضع أحمد يده على رأس طفلته

 

وقال

 

أنا مش هعرف أعوضك عن الدنيا كلها

 

لكن هعمل اللي أقدر عليه

 

هخليكي تعرفي إن ليكي بيت

 

وليكي أم بتحبك

 

وأب عمره ما هيبخل عليكي بحبه

 

ثم نظر إلى منة

 

وقال

 

وهنربيها سوا

 

قالت

 

سوا

 

قال

 

زي ما اتفقنا

 

قالت

 

زي ما اتفقنا

 

وفي الأيام الأولى

 

كان البيت قد تغير تمامًا

 

أصبح هناك صوت بكاء

 

وصوت ضحك

 

وسهر

 

وتعب

 

وأشياء صغيرة في كل مكان

 

وكان أحمد أحيانًا يعود من العمل مرهقًا

 

لكن بمجرد أن يسمع صوت طفلته

 

ينسى تعبه

 

وأحيانًا كان يحملها وهو لا يعرف ماذا يفعل

 

فتقول له منة

 

سيبها عليا

 

فيقول

 

لا

 

أنا هعرف

 

فتقول

 

إنت لسه بتتعلم

 

فيقول

 

وأنتي كمان

 

فتضحك

 

وكانا يتعلمان معًا

 

كيف يكونان أبًا وأمًا

 

وكيف يتعاملان مع الليالي التي لا ينامان فيها

 

وكيف يختلفان أحيانًا على طريقة بسيطة في التربية

 

ثم يعودان ويتفقان

 

وكيف يصبح الإنسان متعبًا جدًا

 

لكنه سعيد

 

لأن التعب جاء من شيء يحبه

 

ومع مرور الشهور

 

بدأت ابنتهما تكبر

 

وبدأ البيت يمتلئ بصوتها

 

وبدأ أحمد يتغير أكثر

 

أصبح أكثر صبرًا

 

وأكثر خوفًا على أسرته

 

وأكثر حرصًا على أن يعود إلى البيت

 

وكانت منة ترى كل ذلك

 

وتبتسم

 

لأن الرجل الذي أحبته في الخطوبة

 

لم يتغير بعد الزواج

 

بل أصبح نسخة أعمق من نفسه

 

ومع مرور السنوات

 

كبرت الصغيرة

 

وكبر معها حب أحمد ومنة

 

وكانت هناك أيام صعبة

 

وأيام جميلة

 

وأيام اختلفا فيها

 

وأيام ضحكا حتى تعبا من الضحك

 

لكن وعدهما الأول ظل موجودًا

 

لا يتركان المشكلة تكبر بينهما

 

ولا يسمحان للحياة أن تأخذ منهما بعضهما

 

حتى جاء اليوم الذي وقفت فيه ابنتهما أمامهما

 

وقد كبرت

 

وأصبح هناك رجل محترم جاء يطلبها بالحلال

 

نظر أحمد إلى منة

 

وكانت الدموع في عينيه

 

فقالت له

 

إيه

 

قال

 

فاكرة أول يوم كنا بنتكلم فيه عن بنتنا

 

قالت

 

فاكرة

 

قال

 

كانت مجرد فكرة

 

قالت

 

وبقت قدامنا

 

قال

 

وكبرت

 

قالت

 

أوي

 

قال

 

والنهارده حد جاي ياخدها مننا

 

ابتسمت منة رغم دموعها

 

وقالت

 

مش هياخدها

 

قال

 

أمال

 

قالت

 

هتروح بيت تاني

 

قال

 

بس هتفضل بنتنا

 

قالت

 

طبعًا

 

وكان أحمد ينظر إلى الرجل الذي جاء يطلب ابنته

 

وكان يراقب طريقته في الكلام

 

واحترامه

 

ونظرته إليها

 

ثم نظر إلى منة

 

فوجد في عينيها نفس النظرة التي كانت في عينيها يوم رآها لأول مرة

 

نظرة خوف

 

وفرح

 

واطمئنان

 

فابتسم

 

وقال

 

الحمد لله

 

لقد اكتملت الدائرة

 

الرجل الذي بدأ حكايته يومًا وهو يبحث عن زوجة في الحلال

 

أصبح اليوم أبًا يقف إلى جوار ابنته وهي تبدأ طريقها

 

والمرأة التي دخلت حياته يومًا كفتاة خجولة تجلس في بيت أهلها

 

أصبحت اليوم أمًا تقف بجواره

 

والأجمل من كل ذلك

 

أن ابنتهما لم تكن تختار طريقًا بعيدًا عن قصتهما

 

بل كانت تختار رجلًا رأت فيه شيئًا من أحمد

 

ورأى أحمد في طريقة حب ذلك الشاب لابنته

 

نفس الهدوء

 

ونفس الاحترام

 

ونفس الرغبة في أن يحافظ عليها

 

وفي ليلة زفاف ابنتهما

 

وقف أحمد ومنة بعيدًا

 

ينظران إليها وهي تضحك

 

ثم نظر أحمد إلى منة

 

وقال

 

عارفة أنا فرحان ليه

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان شايف فيها نفس اللي كان بينا

 

قالت

 

الحب

 

قال

 

والاحترام

 

قالت

 

والأمان

 

قال

 

والحلال

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

يبقى وعد القلب كمل

 

نظر أحمد إليها

 

وقال

 

لا

 

لسه بيكمل

 

لأن الحب الحقيقي لا ينتهي عندما يتزوج الحبيبان

 

ولا عندما يأتي الأطفال

 

ولا عندما تمر السنوات

 

الحب الحقيقي يعيش في كل مرحلة

 

من أول نظرة

 

إلى أول بيت

 

إلى أول طفل

 

إلى أول حفيد

 

إلى اللحظة التي ترى فيها أبناءك يعيشون شيئًا يشبه أجمل ما عشته أنت

 

وفي تلك الليلة

 

جلس أحمد ومنة وحدهما بعد أن انتهى كل شيء

 

وكان البيت هادئًا للمرة الأولى منذ سنوات

 

نظر أحمد إلى منة

 

وقال

 

لو رجع بي الزمن

 

هختارك تاني

 

ابتسمت

 

وقالت

 

وأنا كمان

 

قال

 

حتى بكل التعب

 

قالت

 

حتى بكل التعب

 

قال

 

وكل الخلافات

 

قالت

 

وكل الخلافات

 

قال

 

وكل اللي فات

 

قالت

 

وكل اللي جاي

 

ثم أمسك يدها

 

وقال

 

الحمد لله إنه كتبك لي

 

قالت

 

والحمد لله إنه كتبني لك

 

وكانت تلك هي النهاية

 

لكنها لم تكن نهاية الحب

 

بل نهاية الحكاية التي بدأها اثنان

 

لتثبت لهما الأيام أن أجمل الوعود

 

هي تلك التي لا تُقال مرة واحدة

 

بل تُثبتها الحياة كل يوم.

 

تمت

 

انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *