الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم تكن حكاية أحمد ومنة حكاية رجل رأى امرأة فأحبها
ولا حكاية امرأة وجدت رجلًا فاختارته
كانت الحكاية أكبر من ذلك بكثير
كانت حكاية قلبين قررا منذ البداية أن يضعا أقدامهما على الطريق الصحيح
فكان الله يفتح لهما الأبواب كلما أُغلقت في وجهيهما بعض الطرق
بدأت الحكاية بنظرة مترددة
ثم أصبحت قبولًا
ثم خطوبة
ثم أيامًا طويلة من الكلام
ثم خلافات صغيرة
ومواقف أكبر
ثم بيتًا جمعهما
ثم طفلة جاءت لتملأ المكان بالحياة
ثم سنوات مرت
كبر فيها الحب بدلًا من أن يذبل
حتى جاء اليوم الذي وقفا فيه أمام ابنتهما وهي تستعد لأن تبدأ حياتها مع من اختارته
وفي تلك اللحظة فهم أحمد شيئًا لم يكن قد فهمه في بداية حكايته
أن الإنسان لا يعرف قيمة ما بناه إلا عندما يراه يكبر أمام عينيه
نظر إلى ابنته
ثم نظر إلى منة
فرأى في عينيها كل السنوات الماضية
رأى أول يوم
ورأى أول فرحة
ورأى الخوف
ورأى التعب
ورأى البيت
ورأى طفلتهم وهي تكبر أمامهما
ورأى كل مرة قالت له فيها
أنا معاك
فابتسم
وقال لها
فاكرة لما كنا بنحلم باليوم ده
قالت
فاكرة
قال
كنت فاكر إن أصعب حاجة في الحب إنك تلاقي الشخص الصح
قالت
وطلعت
قال
طلعت الأصعب إنك تحافظ عليه
نظرت إليه منة
وقالت
بس إحنا حافظنا
قال
لأننا كل ما اختلفنا افتكرنا إننا مش أعداء
قالت
وكل ما الدنيا ضاقت افتكرنا إننا فريق واحد
قال
وكل ما الفلوس قلت افتكرنا إن البيت مش بيتبني بالفلوس بس
قالت
وكل ما تعبنا افتكرنا إن ربنا هو اللي جمعنا
قال
وكل ما خفنا رجعنا له
ثم سكتا
وكانت ابنتهما أمامهما
تعيش اللحظة التي كانا يتخيلانها منذ سنوات
اقترب منها أحمد
وقال لها
أنا مش هقول لك إن الحياة كلها هتبقى سهلة
لأنها مش هتبقى سهلة
ومش هقول لك إنك مش هتختلفي معاه
هتختلفي
ومش هقول لك إن الحب معناه إنك ما تزعليش
هتزعلي
لكن لو لقيتي الإنسان اللي يحترمك وقت الخلاف زي ما بيحترمك وقت الرضا
واللي يخاف على قلبك قبل ما يخاف على صورته قدام الناس
واللي لما يختلف معاكي يحاول يفهمك بدل ما يكسرِك
واللي يعرف إن البيت مش ساحة انتصار
فتمسكي به
ثم نظر إلى الشاب
وقال له
وأنت
لو اخترت بنتي
فافتكر إنك مش أخدت زوجة وبس
أنت أخدت قلبًا وثقة أهل وبيتًا ومستقبلًا
وخليك فاكر إن الرجولة مش صوت عالي
ولا سيطرة
ولا إنك تكسب كل نقاش
الرجولة إنك تقدر تطمن إنسانة اختارتك
وإنك تكون أمانًا لها عندما تخاف
وسندًا لها عندما تتعب
وأن تظل محترمًا لها حتى في اللحظة التي تختلفان فيها
ثم ابتعد أحمد
ومسك يد منة
وقال لها
إحنا كبرنا
ضحكت وقالت
أوي
قال
بس أنا لسه شايفك زي أول يوم
قالت
وأنا لسه شايفة أحمد اللي كان متردد وهو جاي يشوفني
ضحك
وقال
كنت خايف أظلمك
قالت
وأنا كنت خايفة أختار غلط
قال
وطلعنا صح
قالت
ربنا اختار لنا
سكت أحمد
ثم قال
وده أحسن شيء حصل لنا
وفي تلك اللحظة
لم تكن هناك حاجة إلى كلمات كثيرة
فبعض القصص عندما تصل إلى نهايتها
لا تحتاج أن تشرح لماذا نجحت
يكفي أن ترى أثرها
يكفي أن ترى طفلًا تربى في بيت فيه احترام
ثم كبر وأصبح يعرف معنى الحب
يكفي أن ترى رجلًا وامرأة تجاوزا سنوات من الحياة
ولم يسمحا للخلافات أن تجعل أحدهما غريبًا عن الآخر
يكفي أن ترى بيتًا بدأت قصته من سؤال بسيط
هل أجد إنسانة مناسبة
ثم تحول السؤال بعد سنوات إلى
كيف أحافظ على الإنسان الذي أعطاني الله إياه
وهنا تنتهي حكاية أحمد ومنة
لكن ربما تبدأ حكاية أخرى عند شخص يقرأ هذه الكلمات الآن
شخص ما زال ينتظر
أو شخص أحب ولم يوفق
أو شخص يتألم لأنه أعطى قلبه لمن لم يعرف قيمته
أو شخص يظن أن الحب الحقيقي أصبح شيئًا من الماضي
ولكل هؤلاء
كانت آخر كلمات هذه الحكاية
لا تبحث عن الحب في الأماكن التي تطلب منك أن تخسر نفسك حتى تحصل عليه
لا تجعل قلبك يدفع ثمنًا من كرامتك
ولا تظن أن كثرة الكلام دليل على صدق المشاعر
فالحب الحقيقي يظهر في المواقف
يظهر عندما تختلف
يظهر عندما تضيق الدنيا
يظهر عندما تقل النقود
يظهر عندما يمرض أحدكما
يظهر عندما تتعب
ويظهر عندما لا يكون عند الإنسان شيء يعطيه إلا وجوده
فلا تبحث عن شخص يقول لك
أنا أحبك
فقط
ابحث عن شخص يقولها بأفعاله
ابحث عن الذي إذا غضب لم يهنك
وإذا اختلف معك لم يكسر قلبك
وإذا استطاع أن يؤذيك اختار أن يحميك
وإذا ضاقت بك الدنيا لم يترك يدك
وابحث عن الذي يأتيك من الباب الذي لا يجعلك تخجل من قصتك يومًا
فالقلوب الجميلة لا تحتاج إلى علاقات سرية حتى تثبت حبها
والحب الذي يستحق العمر
هو الحب الذي يبدأ أمام الله
ويكبر في النور
ويتحول مع الأيام إلى بيت
ثم إلى أسرة
ثم إلى أبناء
ثم إلى ذكريات
ثم إلى حكاية يرويها الأبناء لأبنائهم
وتذكر دائمًا
أن الزواج ليس نهاية قصة الحب
بل هو أول اختبار حقيقي لها
وأن أجمل العلاقات ليست التي لا تعرف الخلاف
بل التي تعرف كيف تعود بعد الخلاف
وليست التي لا تمر بالضيق
بل التي تقف معًا في الضيق
وليست التي يعيش أصحابها حياة بلا مشاكل
بل التي تجعل أصحابها أقوى من مشاكلهم
وفي النهاية
قد لا يعطيك الله الشخص الذي رسمته في خيالك
لكنه قد يعطيك الشخص الذي تحتاجه روحك
وقد تتأخر بعض الأمنيات
لكن تأخرها لا يعني أنها لن تأتي
وقد يغلق الله بابًا ظننته باب سعادتك
لأنه يعرف أن خلفه طريقًا كان سيؤلمك أكثر
فلا تستعجل
ولا تجعل الوحدة تدفعك إلى اختيار خاطئ
ولا تجعل الخوف من التأخر يجعلك تقبل بمن لا يصونك
انتظر ما يستحق قلبك
وادعُ الله كثيرًا
واختر الحلال حتى لو بدا الطريق إليه أبطأ
فما يبدأ برضا الله
يملك فرصة أكبر أن يبقى مباركًا
وإذا أحببت
فأحب بصدق
وإذا وعدت
فأوفِ
وإذا اختلفت
فلا تظلم
وإذا أخطأت
فاعتذر
وإذا وجدت إنسانًا يصونك
فلا تؤذِ قلبه
لأن بعض القلوب إذا انكسرت
لا تعود كما كانت
أما أحمد ومنة
فلم يكن سر بقائهما أن حياتهما كانت كاملة
بل لأنهما في كل مرة كانت الحياة تحاول أن تضع بينهما مسافة
اختارا أن يمسكا بأيدي بعضهما
وفي كل مرة كان الغضب يطلب منهما أن يبتعدا
اختارا أن يتحدثا
وفي كل مرة كان التعب يقول لهما
كفى
كان هناك صوت آخر يقول
ما زال بيننا وعد
وعد بأن نبقى
وعد بأن نحاول
وعد بأن نحب
وعد بأن يكون البيت أمانًا
وعد بأن يكون القلب مكانًا لا يُخاف منه
ولهذا
لم يكن اسم حكايتهما مجرد اسم
كان وعدًا
وعد القلب
وما أجمل القلب
حين يحب
وما أجمله أكثر
حين يفي.
![]()
