...

الجميزة

يونيو 22, 2025
Img 20250622 wa0017

كتبت: منال ربيعي

 

 حيث الزمن يتعطر بالبركة والزبدة

 

في الصباحات المبكرة، حين كانت الدنيا لا تزال نديّة كجناح طائر لم يختبر الطيران بعد،

كنت أستقبل اليوم بعطرٍ غامض ينتشر في الأجواء، مزيجٌ من رائحة الأرض بعد الندى،

ومن نسيمٍ يحمل في طياته شيئًا من عبق اللبن الطازج، ونكهة الحطب الهادئ. تلك الأجواء لم تكن مجرّد صباح،

بل كانت لحظة خالدة من لحظات طفولتي، محفورة في الذاكرة كأنها منقوشة على حجر قديم.

 

كنا في جنينة جدّي، جنينة واسعة، غنّاء، تحتضننا كأمّ طيبة. في قلبها شجرة الجميز العظيمة،

ذات الجذع السميك، والفروع الفضية التي تمتدّ كالأذرع الحانية، تظلل الأرض كلها،

وتلقي ببركتها على كل من مرّ تحتها. كنت أفضّل دائمًا أن أنام ليلًا تحتها، على حصيرٍ من سعف النخيل،

أراقب النجوم من خلال أوراقها المتشابكة. تلك الأوراق، التي تشبه أصابع الكفّ،

كانت تتراقص مع النسيم كأنها تهمس لي بحكايات الجدات القديمة.

 

سمعت جدّي يقول عنها مرارًا: “دي شجرة مباركة، مش بس ظلّها بارد، دي بتبعد عنك الدبان والحشرات،

وتداوي الجراح”. وكنّا نجرّب، وإن أصبنا خدشًا صغيرًا، نزفنا عليه من لبنها الأبيض، ونتركه حتى يجف، فيلتئم كأن لم يكن.

كانت أمًّا خضراء، شامخة، صموتة، لكنّها تتكلّم بلغة الأرواح. لم تكن شجرة فحسب،

بل مخلوقًا مصريًا أصيلًا، جذورها مغروسة في طمي النيل وذاكرة الزمان.

 

الجميزة، التي تشبه الإلهة إيزيس في حنانها وحكمتها، لم تكن تمنح الظل فقط، بل تمنح شعورًا دفينًا بالأمان.

تحتها كان الفلاحون يستظلون، يتركون المحراث قليلًا، يشربون الماء، ويستعيدون أنفاسهم.

كانت ملجأً روحيًا، ومعبدًا أخضر في قلب الحقل، تهب الطمأنينة وتغفر التعب.

 

وحين تبدأ الشمس في الارتفاع، كان كل شيء في الجنينة يتغيّر… ترتفع حرارة الضوء، وتبدأ الروائح بالتصاعد.

كنت أشمّها وأنا لا أزال على الحصير: رائحة الزبدة المذابة، تمتزج برائحة اللبن، وبرائحة الفطير الذي تستعد جدّتي لصنعه.

كانت تخرج من البيت وفي يدها صينية نحاسية، وتجلس على كرسي صغير بجانب “الطبلية”،

تفرد العجين بنعومة الأم التي تدلّل طفلها، تمسح كفّها بزبدة صفراء طرية، وتدلّ بها القرص،

ثم تشدّ أطراف العجين فينصاع، كأنها تملك سرّ الطحين والماء والنار.

 

الفطير عند جدّتي لم يكن مجرد طعام، كان طقسًا عائليًا، واحتفالًا مقدّسًا، كانت تصنعه بروح فيها من الحكمة ما يشبه سحر الكاهنات.

تلفّ القرص في الزبدة وتتركه يرتاح، بينما توقد الحطب في فرن الطين الذي شاده جدّي بيده منذ زمن، فرن يشبه كهفًا صغيرًا،

فيه سرّ النار القديمة التي تعرف كيف تمنح الطهي طعمه الأول.

 

حين يدخل القرص إلى الفرن، تبدأ الجنينة في التحوّل إلى مسرح عطر، تمتلئ بالرائحة الدافئة، المذهلة،

رائحة الزبدة حين تلامس النار، ورائحة القمح حين يتنفّس بخاره الأول. وكنت أقترب،

أتابع القرص وهو ينتفخ مثل الشمس عند الشروق، يصدر نفَسًا بخاريًا ساخنًا، مورّقًا، ذهبيّ اللون، يلمع كأنّه قطعة من الزمن.

 

وفي تلك اللحظات، كانت الأسرة كلها تبدأ بالالتفاف. جدّي يجلس على الكرسي الصغير، يضع يده على ركبته،

ويحكي لنا كيف كانت الأرض تُسقى من ماء الساقية، وكيف بنى أول سور للجنينة. عمّتي تحضر اللبن،

وأبي يبتسم وهو يلمّ فتات الخبز، وأنا أجلس قرب جدّتي، أراقب أصابعها التي تلمع في ضوء الشمس،

مغطّاة ببقايا الزبدة والدقيق، وهي تقطع لنا الفطير.

 

كنا نأكل، ونضحك، ونشرب من اللبن، وننصت. الزمن نفسه كان يبطئ من خطواته في هذا الصباح.

لم تكن تلك مجرد لحظات، بل كانت طقوسًا، أساطير تُعاد كل صباح، تصنعها يد الجدة وصبر الأم وحنان الأرض.

 

ذلك اليوم… لم يكن عاديًا. كان صفحة من كتاب الزمن، محفورة في قلبي، تختزل كل معاني الطمأنينة والانتماء،

وتبقى، كأنها قصيدة قديمة كتبتها مصر على ضوء الشمس، ووضعت في نهايتها ختم الجميزة

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *