...
Img 20250622 wa0019

 

كتبت: آلاء  العقاد 

 

كانت مريم فتاة جميلة، تتهادى بثقةٍ واتزان، بعينين زرقاوين بلون السماء، وبشرة ناصعة مثل بياض الغيم،

وشعر ناعم كالحرير ينساب على كتفيها برقة. نشأت في أسرة متواضعة، لكنها حملت منذ طفولتها طموحًا لا يعرف الحدود.

 

مريم، الأخت الكبرى بين أخواتها، كانت قدوة في الأدب والنشاط، تخرجت من كلية الطب بامتياز،

واختارت أن تكرّس حياتها لخدمة المرضى، فصارت طبيبة معروفة في أحد مستشفيات غزة. كانت محبوبة من الجميع،

صغارًا وكبارًا، يشهد لها كل من تعامل معها بطيبتها وتواضعها وإنسانيتها.

 

ذات يوم، وبينما كانت تمر في أحد ممرات المستشفى بعد انتهاء نوبتها، سمعت صوت طفلة صغيرة تغني.

كان الصوت عذبًا، نقيًا، يشدّ القلوب ويخطف الأرواح. اقتربت بخطواتٍ هادئة،

فرأت فتاة صغيرة تجلس على مقعد بجوار غرفة الانتظار، تغني بهدوء لنفسها. كانت تلك الطفلة تُدعى هند.

 

عندما شعرت هند بوجود أحد، توقفت فجأة عن الغناء. ابتسمت لها مريم وقالت برفق:

– لماذا توقفتِ؟ صوتكِ جميل… أكملي.

 

لم تكن تعلم تلك الطفلة أن هذه اللحظة ستكون نقطة تحول في حياتها.

بدعم وتشجيع مريم، بدأت هند تُشارك في دورات تدريبية في الغناء وإلقاء الشعر، تنمّي موهبتها، وتبني مستقبلًا كانت تظنه حلمًا بعيدًا.

 

مرت السنوات، وذاع صيت هند في كل مكان. أصبحت فنانة مرموقة، صوتها يُسمع في العالم العربي والغربي، تُكرَّم في المهرجانات، وتُلهم القلوب بكلماتها وألحانها.

 

وفي يومٍ من الأيام، حملها الحنين إلى غزة…إلى المكان الذي وُلِد فيه حلمها،

إلى المستشفى الذي اكتُشفت فيه موهبتها. دخلت الممر ذاته، تذكرت كل شيء، كل لحظة، وكل إحساس.

 

سألت عن الطبيبة مريم، لكن أحدًا لم يعرفها. بحثت بين الوجوه، لكن لم تجدها.

وقفت في الممر، وأغمضت عينيها، ثم بدأت تغني ذات الأغنية التي غنتها وهي طفلة صغير ؤعلّ مريم تسمعها.

 

تكررت المحاولات، يومًا بعد يوم، ولكن دون جدوى…

حتى جاء اليوم الذي قابلت فيه شابًا من طاقم المستشفى، كان طبيبًا شابًا رزينًا اسمه سامر.

تعرّفت عليه، وبدأت بينهما علاقة صداقة ونقاش في الحياة والفن والعمل.

شيئًا فشيئًا، تحوّلت تلك العلاقة إلى مشاعر حقيقية، حب صادق جمع بين نقاء هند وحنان سامر. لم تكن تعلم هند أن سامر هو ابن الطبيبة مريم.

 

وحين علمت بذلك مصادفة، غمرتها الدهشة والسعادة معًا، وبكت لأول مرة منذ زمن…

بكت لأنها أخيرًا وصلت إلى المرأة التي كانت السبب الأول في تغيير مسار حياتها.

 

تزوجت هند من سامر، وأنجبا طفلين، وأسسا بيتًا صغيرًا مليئًا بالحب، والاحترام، والتواضع، تمامًا كما كانت عليه حياة مريم… التي ربت ابنها على القيم ذاتها.

 

وهكذا، عادت الأغنية التي وُلدت في ممر الذكرى لتصبح نشيد حبٍّ عظيم، بدأت بنغمة… وانتهت بأسرة جميلة تنبض بالحياة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *