قصة للكاتبة: آلاء العقاد
جلستُ على كرسيٍ قديمٍ مصنوع من الخشب، بدا كأنه يحمل عمرًا أطول من عمري. خشبه متآكل، وصوته يئنّ مع كل حركة. وضعتُ يدي على ركبتي وأخذتُ أراقب الأطفال وهم يركضون في ساحة المخيم، يضحكون كأن الحرب لم تمرّ من هنا، كأن المجاعة لم تطرق أبوابهم الصغيرة.
تذكّرتُ نفسي يوم كنتُ في مثل عمرهم، كنتُ أركض معهم في حارات الحيّ، نلعب ونضحك، لا نعرف من الدنيا إلا لون السماء الزرقاء، ولا نشغل أنفسنا إلا بمتى نعود للّعب، ومتى نركض خلف الكرة.
كبرنا.
جوان أصبحت طبيبة تعالج الجرحى وتسهر الليالي في أقسام الطوارئ.
شيماء أصبحت مدرّسة لغة عربية، تنقش الحروف في عقول التلاميذ كمن يزرع الأمل في أرض قاحلة.
وجنين… تلك الفتاة الهادئة، أصبحت خيّاطة، تصنع من قطع القماش البسيطة فساتينًا تسرّ الناظرين.
أما أنا، تسألونني؟
لم أكمل دراستي.
كانت الظروف أقوى مني، وأحيانًا الجسد يعجز عن مواصلة الطريق، لكنني لم أستسلم.
بدأت أكتب القصص.
قصصًا من قلب الوجع، من تفاصيل الواقع، من خيوط الأحلام المتقطعة.
شاركتُ في ورشات أدبية وثقافية، حضرت دورات تدريبية، التقيت بكُتّاب، وقرأت أكثر مما يتخيل أحد.
ربما لم أنجح في الشهادة، لكنني نجحت في أن أخلق لنفسي نافذةً أتنفس منها الحياة.
حتى جاء اليوم الذي انقلبت فيه الدنيا.
جاءت الحرب.
أُجبرنا على النزوح.
تركنا البيت، الذكريات، الكتب، كل شيء.
رحلنا إلى خيمة.
خيمة لا تقي برد الشتاء ولا حرّ الصيف.
كأنها جلد رقيق فوق عظامٍ هشّة.
في الليل، كان البرد يقضم أطرافي، وفي النهار، كانت الشمس تلهبني، وأمي تحاول أن تلوّح بالكرتونة علّها تسرّب هواءً بارداً إلينا.
الحياة أصبحت أقسى مما تخيلت.
لم نجد ماءً نقيًا، ولا طعامًا يسدّ الجوع.
أصبحنا نحسد الطيور على حريتها، والنباتات على جذورها، والسماء على صفائها.
المجاعة كانت كابوسًا لا ينتهي.
غزة، مدينتنا، أصبحت جرحًا نازفًا.
المعابر مغلقة، والحصار يخنق أنفاسنا.
العدوان لا يتوقف.
أكثر من سنتين، والدماء لا تجفّ، والألم لا ينام.
الشهداء يتزايدون، والجرحى يملؤون الأزقة والمستشفيات.
لكن… حتى المستشفيات رفعت الراية البيضاء.
أعلنت عجزها.
لا مكان لأحد، لا دواء، لا أدوات، لا كهرباء.
الأطباء يبكون وهم يعجزون عن إنقاذ طفل ينزف، أو أم تمسك بجنينها الميت في حضنها.
في كل زاوية من الخيمة، أكتب سطرًا.
أخبئ أوراقي تحت الوسادة المهترئة.
أكتب عن الفقد، عن الشتات، عن الحلم الذي يتعثر لكنه لا يموت.
أكتب لأنني لا أملك شيئًا آخر.
لأن الكتابة أصبحت طوق نجاتي الأخير…
أنا آلاء، الفتاة التي لم تهزمها الحرب، حتى وإن جلست في خيمة لا تقيها من العاصفة.
