...

علّمني كهل

يوليو 3, 2025
Img 20250702 wa0015

 

الكاتبة فاطمة بَجّة

 

في أحد أزقة المدينة الضيّقة، جلستْ قطة صغيرة، تحيط بها مخلفات البشر من كلّ اتجاه. كانت تئنّ من الألم، والجوع ينخر في بطنها نخرًا.

 

في ظلام الليل الدامس، خيّم صمتٌ موحش على أرجاء المدينة، لم يقطعه سوى مواؤها، الذي بات يرتفع شيئًا فشيئًا، حتى لفت انتباه الكلاب الضالّة التي تتجول بالقرب منها، تراقب بصمت… أو ربما دون مبالاة.

 

إلّا ذلك الكلب الكهل، الذي اقترب منها وهو يجرّ ذيله خلفه.

نظراته الحادّة أطلقتها سهامُ عينيه نحوها. كان، رغم كِبر سنّه، قويَّ البنية، بأسنانٍ حادّة تزين فمه.

هيئته توحي بالحكمة والدهاء، وندباتٌ شتّى توزّعت في أنحاء جسده، دلّت على معارك خاضها عبر السنين.

 

وقف الكهل أمام القطة، وسألها بصوت هادئ ورصين:

ما الذي يؤلمكِ يا صغيرة؟

 

صمتت القطة ولم تُجِب.

فهم الكهل، بفطنته، أنها لا ترغب في الحديث، فاحترم صمتها، وجلس إلى جوارها.

وضع يده على كتفها، ثم أحاطها بكلتا يديه، بحنانِ أبٍ مكلومٍ على صغيره.

إنه يعلم أن الحزين لا يحتاج إلى كلمات، بل إلى يدٍ حانية وقلبٍ رؤوف.

 

لم تُظهر القطة أيّ ردة فعل، لكنها لم تُنكر أنّ ذلك التصرف أثلج صدرها، وأيقظ شيئًا دفينًا داخلها، فانفجرت بالبكاء، وأفرغت ما في قلبها لذلك الغريب. ثم همست:

 

سئمتُ الحياة يا جدي، ولم أعُد أرغب فيها…

أريد الرحيل الأبدي. أسعى للاختفاء… للتواري عن الأنظار.

 

قال الكلب بدهشة:

أأصابكِ اليأس وأنتِ بهذا العُمر؟! فكيف بكهلٍ تجاوز السبعين؟

لقد عشت كثيرًا في هذه الحياة، وتلقّنت دروسًا عديدة… بعضها كان ثمنه باهظًا، وبعضها الآخر كلفني راحتي النفسية،

لكنني آثرتُ المضيّ قدمًا لأرى ما قد أجنيه بعد كل ما مرّرت به.

 

سألته القطة:

وماذا كانت النتيجة يا جدي؟

 

أجابها:

عقلٌ حكيم، ونفسٌ سويّة، وروحٌ قويّة، ولسانٌ لا ينطق قبل أن يفكر.

تعلّمتُ أن أُحسن اختيار رفيقي، وأتأنى؛ فليس كلُّ من سمّى نفسه صديقًا يُصدّق،

وليس كلُّ من ضحك في وجهك يحبك، وليس كلُّ من مدّ إليك يدَه يرغب في مساعدتك…

أحيانًا، يرغب فقط أن يجذبك ليسقطك أرضًا.

 

قالت القطة بألم:

وهل يجب عليّ أن أتحمل كلّ هذه الأوجاع فقط لأصير حكيمة؟

أهذه هي النهاية؟!

لا أريد الحكمة، بل أريد السعادة…

أشتاق لطَعم الحياة الحُلوة، لذاتي التي ضيّعتها، لأشهى الأكلات، لرفيقٍ يؤنس وحدتي،

وأُريد أن أتجول بحرّية دون أن يُؤذيني البشر.

 

أطرقت رأسها، والدموع تنهمر من عينيها، حزينةً مثقلةً بالأسى.

نظر إليها الكهل بحيرة، ثم ابتسم بلُطف وقال:

 

انظري يا صغيرتي إلى هذا القمر البهيّ في ذلك الفضاء الواسع،

رغم وحدته، لم يشتكِ يومًا منها،

بل جعل من ذاته مصباحًا يضيء للعابرين، وشاهدًا في غزل العاشقين،

وصديقًا لمن لا صديق له، وأنيسًا للساهرين، وملجأً للشاكين.

 

يظهر كلّ ليلة في هدوء، يسطع بنوره حتى يخطف الأنظار.

وحدته لم تكن ضعفًا، بل كانت مصدر قوّته…

فصار رمزًا للجمال، وإلهامًا للشعراء، ونورًا لا يُنسى.

 

ما نملكه أيًّا كان يمكن أن يكون مصدر ضعفٍ إذا أردنا،

ويمكن أن يصبح نقطة قوّةٍ نتميّز بها.

 

نحن من نختار لون حياتنا:

إما بيضاء يكسوها الأمل، أو سوداء تظلمها الكآبة.

نحن من نخطّ أجمل السطور أو أغلظها، فتصير فخرًا… أو وصمةً لنا.

 

السعيد ليس من يخلو من الهم، بل من يرضى بقضائه، ويشكر في كل حال.

 

إيّاكِ واليأس يا صغيرتي…

فهو العدو الذي يقتل دون رحمة، ويحوّل صاحبه إلى جسد بلا روح.

دافعي حتى تنتصري عليه، واعلمي أنكِ أقوى منه…

فلا تنهزمي.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *