...
6091219b 2572 4ace 918c 60871d839a37

كتبت: ملاك عاطف

السيدة عبير، امرأةٌ غزّيّةٌ مكلومة، صارعت كدر التخبّط ثمانيةَ أشهر، وهي تبحث عن جثّة ولدها؛ لتمنحها كرامة الدّفن، وتقبرَ إلى جوارها عواطفها السخيّة التي خبّأتها له في جيب أمومتها المفطورة.

لم تقدر رفح على احتضانه حين وطئ أرضها؛ فالصهيونيّ النذل كان قد قطع يد أمانها وهوّدها باجتثاثها وفصلها عن شقيقاتها الأربع الّائي تنبض بهنّ خريطة القطاع المحاصر.

في الخلاء الموحش، لا رحمات تنتشل الغزّيّ من ضعفه، ولا نجداتٍ تغلق سبُل الاختطاف في وجه الموت، ولا خلاص يُأمل حين تكشّر الكلاب الضّالّة المسعورة عن أنيابها.

وسط كلّ هذا الكمّ من المخاطر، يقبع رحيلٌ أبديّ، وموتٌ حتميّ، ونهشٌ لقوّة الشباب، وضياعٌ لقلوب الأمّهات، وضحايا يرمَوْنَ في مغارات الهويّات المجهولة.

ووسط دناءة الدنيا، وقفت عبير، تتلقّف دمعها بصمت، وتحكي للعالم أنّ لحم ابنها مقضومٌ بافتراس، موزّعٌ في حصصٍ على بطون الكلاب المفترسة، وبين ثنيّات القبور الجماعيّة المنخنقة بتكدّس الأشلاء وفُتات أجسام النّاس، وأنها لم تكن لتؤمن بوجوب إصدار شهادة وفاته لولا تعرفها على بقية من ثيابه.

ربّما ودّت هذه الأمّ المفجوعة لو أنّ بين فقيدها وبين رفح مجرّاتٍ من البعد، أو لو أنّ غريزة الجوع تُسحب من كينونة الكلاب، أو لو أنّها رحلت قبل أن تتشوّها أمومتها بحمض الوداع المؤجّل.

ربّما تودّ لو أنّها كانت مكانه، وربّما تلعن سريرتها الحرب كلّ ثانيةٍ؛ لعلّها تشفى من داء الغياب، ومن سعال دخان النار، ومن نزف كرامتها المطعونة عند أكوام النفايات التي تنبشها بيدين معمّدتين بعزٍّ مخضّبٍ بالحاجة؛ بحثًا عن لقمةٍ تطيل عمر أطفالها ساعة، أو تبعدهم عن الموت ساعة.
مئاتٌ مثل عبير، أُصبن بمتلازمة القهر القاتل، يمتن ليلًا على وسائدهنّ الرقيقة ألف مرّةٍ غارقاتٍ أو محترقاتٍ بدمعهنّ الساخن، ولا أحد يلتفت.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *