الكاتبة أسماء السيد لاشين
الحياة كما علمتني… لا تُعطينا كل ما نُريد، لكنها تمنحنا دومًا ما يجعلنا نكبر من الداخل. تُربّينا على الصبر،
وتختبر صدق نوايانا بالتأخير، وتُهذّبنا بالخسارات التي لا نفهمها إلا بعد مرور الوقت.
علمتني الحياة أن ليس كل سقوط نهاية، بل أحيانًا يكون بداية لشيء أعمق بداخلنا. علمتني أن بعض الطرق لا تُفهم
إلا إن سلكناها حتى نهايتها، وأن بعض الأشخاص لا يُكشف معدنهم إلا في لحظة وجع.
وأن من يرحل لم يكن دائمًا شرًّا، بل كان فراغه ضرورة لترتيب الداخل.
الحياة كما علمتني… لا تُحب الضجيج، ولا تُكافئ كثير الكلام، بل تُبارك خطوات الصامتين الذين يعملون في الخفاء،
الذين يسقطون ولا يشكون، يبتسمون رغم الانكسار، ويواصلون رغم أنهم لا يعلمون إلى أين يأخذهم الطريق.
علمتني أن الرضا لا يعني التوقف، بل يعني أن أُحب ما لديّ وأنا أسعى لما أُحب؛ أن أجتهد،
وأدعو، وأسير، ثم أترك الباقي لله بثقة لا تعرف القلق.
علمتني الحياة أنني لا أُشبه أحدًا، ولا يُشبهني أحد، وأن المقارنة تسرق النعمة من قلبي قبل أن تسرقها من واقعي.
وأن لكل روح طريقتها في الفهم، وموعدها الخاص في الوصول، وأن تأخّري لا يعني أنني ضللت الطريق، بل ربما كنتُ أتأمل ما لم يره غيري.
علمتني… لا تُصفّق للنوايا، بل تُكافئ الإصرار. ولا ترفع من ينتظر، بل من يُكمل رغم غياب التصفيق.
لا تحتمل أنصاف القلوب، ولا العلاقات الرمادية، ولا الأحلام المؤجلة إلى أجلٍ غير مسمّى.
كما علمتني… أن أثق. أن كل ما فقدته سيأتي عِوضُه، وكل من خذلني ستقودني الحياة نحو من يستحقني.
أن الله يراك وأنت تُحسن، حتى لو لم يرك أحد. وأن الطيبين لا يخسرون… بل تُدخَر لهم الأيام الجميلة في الوقت الأنسب.
وفي النهاية، الحياة كما علمتني… ليست بعدد الأيام التي نعيشها، بل بما تُعلّمه فينا، وبما تزرعه في أعماقنا من فهم ونضج وهدوء.
والأهم من كل ذلك، أن نخرج منها وقد عرفنا من نحن، وما الذي يستحق أن نحيا من أجله.
![]()
