...
Img ٢٠٢٥٠٧١٦ ٢٣٢١٣٥

كتب:حسين العلي 

في كل صباح، حين نفتح أعيننا على هذا العالم، يداهمنا سؤال خفي: هل ما نعيشه هو واقعٌ حقيقي، أم مجرد انعكاس لحلم طويل لم نستيقظ منه بعد؟ هذا التساؤل ليس بجديد، بل هو في صلب الفكر منذ أن تساءل أفلاطون عن حقيقة العالم المحسوس، وميز بين “عالم المُثل” و”عالم الظلال”.

الإنسان كائن يتردد بين طرفين: حضورٌ جسديّ في عالم محسوس، وغيابٌ ذهنيّ في عالمٍ لا تدركه الحواس. قد يسير بجسده في شارع مزدحم، لكن عقله يسبح في ذكرى قديمة، أو خيالٍ لم يُصنع بعد. هذا التمزق بين اللحظة الحاضرة وتيه الذهن هو ما يُكوِّن هوية الإنسان العميقة: كائنٌ يُفكّر، حتى حين لا يكون.

إن كان الواقع هو ما نحس به ونلمسه، فكيف نفسر الأحلام التي تبدو أحيانًا أكثر واقعية من الحياة ذاتها؟ وهل “الحقيقة” شيءٌ مطلق، أم أنها بناءٌ اجتماعي يتغير بتغير اللغة، والثقافة، والزمن؟ ديكارت حاول أن يجد يقينًا واحدًا فقال: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. لكن هذا اليقين، حين نتأمله، لا يخبرنا ما إذا كان هذا “الوجود” حقيقة أم خدعة ذهنية.

يعيش معظم البشر وهمًا بأن الزمن يتحرك إلى الأمام، نحو مستقبل لا يُرى. لكن، هل الزمن حقًا يتقدم؟ أم أننا نحن من نُعيد اجترار اللحظة نفسها بأسماء مختلفة؟ قد تكون الذكرى ليست ماضياً، بل تكرارًا للحاضر بشكل آخر. وهذا يجعل من حياتنا دائرةً لا خطاً، فيها نُولد كل يوم، ونموت كل ليلة.

حين يشتد الظلام، لا يعود الإنسان يبحث عن الحقيقة، بل عن الجمال. الشعر، الموسيقى، الرسم، وحتى الصمت الموزون… هي محاولات الإنسان لترويض الفوضى. فكما قال دوستويفسكي: “الجمال سيُنقذ العالم”. لكن، أي جمال؟ هل هو جمالٌ خارجيّ زائل، أم جمال الروح التي ترى في القبح نفسه شكلاً من أشكال العمق؟

ربما الجمال هو شكل من أشكال النجاة المؤقتة. حين يعجز العقل عن الفهم، يبقى القلب قادراً على التذوق. وحين تسقط كل الإجابات، تبقى أغنية حزينة أو لوحة صامتة قادرة على أن تربت على أرواحنا الممزقة.

الوجود ليس أن تتنفس فقط، بل أن تعي أنك تتنفس. أن تدرك هشاشتك، أن تقف بين الفراغ والمعنى وتحاول أن تبني جسراً بينهما. الوجود هو أن تصرخ في الصمت، أن تبحث عن الحقيقة في كومة الأكاذيب، أن تؤمن بشيء، حتى لو كان عدم الإيمان ذاته.

في نهاية الأمر، لسنا سوى سؤال يمشي، لا إجابة. وربما، يكمن سر الوجود لا في أن نجد المعنى، بل في أن نمنحه نحن المعنى. أن نعيش لا لأن العالم يستحق، بل لأننا، رغم كل شيء، قررنا أن نكون.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *