كتبت: ملاك عاطف
‘لا أحد يعود من الحرب كما كان؛ فإمّا أن يموت،
أو يعيش بنصف روح’
أما من يموت، فيرتاح من كبد الدنيا، ويتنعم
بمنزلة رغيدة بين أيادي ثلل الصدّيقين، يزفونه
بأكاليل الزعفران، ويدهنونه بحناء البر، ويغمرونه بأقباسٍ من نور الفلاح الذي يسعى بين أقطار
قصورهم، ويستمطرون من أخبار من لم يلحقوا بهم بعد.
وفي ربوع بساتين الجنان المرجانية، تمد الأشجارُ
أفنانها ألفافًا، وتصافح كفوف التقوى العابقة بمسك
زكاة أرواحهم. وفي فضاءات النعيم الوسيعة، تسبح القلوب في لجة الخلود، حيث لا يحصر نبضاتها عددٌ
ولا فناء.
وأما من يعيش بنصف روح، فترقق البلوى فؤاده،
وتنشق نفسه شقين، أحدهما يغرق في وحل إثار الجريمة، أو يتقفّاها مغناطيسيًا، أو يظلّ عالقًا بين
حدة الأيام العجفاء تنسله؛ لتسد رمق بقائها حيةً في
لب الذاكرة. ويقسمه الدهر إلى فتات، ثم يوزعه
حصصًا على أشباح الماضي الراقدة في مقبرة التخطّي، الجائعة إلى اليقظة والفوران في أذهان أصحابها.
وأما الشق الآخر، فيكافح؛ ليحافظ على طول
المسافة بينه وبين لعنة اضطرابات ما بعد الصدمة، ويجاهد؛ ليبقى على قيد الحياة، لعل الكرم يتقطر
من جوذباتها يومًا، ولعل الفرج والسرور يُحملان إليه في سنابل من جبرٍ وترميم.
![]()
