...
Img 7857

كتبت: ملاك عاطف
أطلق أسطول الحرية التابع للجنة كسر الحصار في غزة سفينته السادسة والثلاثين، *مادلين*، والتي حملت بعض المساعدات المحدودة والرمزية لأكثر من مليوني بشريٍّ يذوقون ويلات الجوع ويتعذبون بشتى ألوان العذاب المعقود بسياساتٍ قاسيةٍ ممنهجة، تتلخص في منع دخول الإمدادات التي ترتكز عليها الحياة في القطاع كمقوماتٍ لا غنى عنها.

إثنا عشرَ كوكبًا اجتمعوا في فضاء مادلين الصغير، جمعتهم الإنسانيّةُ بعد أن فرقتهم الحدود الدولية، ليبحروا معًا -كجسدٍ واحد- من جزيرة صقليا الإيطاليّة إلى سواحل القطاع المحاصر، حيث الفلسطينيون العزّل الذين بلغت أصوات صرخاتهم حنجرة السماء السابعة، بينما غرقت آذان أهل الأرض في صممٍ مزمنٍ لم تُشفَ منه بعد.
تزوّدوا بكثيرٍ من الأمل، ورفعوا سقف توقّعاتهم غير آبهين بمصير شقيقات مادلين الذي يلاحقهم كظلهم، مشهرًا سيف الهلاك الحادّ في وجه ضمائرهم الحيّة.

ثمانيةُ أيّامٍ قد أدبرت عنّا ولا ندري كيف مرّت عليهم في عرض البحر، ذلك الشاهد على آهات الخيام وأنّاتها المتصارعة على شاطئه، والمُثقل بالزوارق الحربية الملعونة التي لا تبقي ولا تذر. هذا البحر الأبيّ نفسه، هو من حمل آمالًا عريضةً وأحلامًا ورديّةً كثيرةً ازدحمت في رحاب أخشاب مادلين المقوّاة بالعزيمة والإصرار، وأخفى مخاوف أهلها في ظلماته كما أخفى شكوى الناس وأجاج دمعهم في أعماقه المسكونة بأشباح ذعر الغزيين وحرمانهم.

وجاءت سكرةُ الغيظ، ودفعت الجيش المقهور إلى محاصرة مادلين بخمسة قوارب مضرّجةً بالمكر والشر، ولاقت المصير المحتوم ذاته الذي لاقته سابقتها *مرمرة* أثناء محاولتها نجدة عزّتنا الحبيبة.

وهكذا، نفدت مشيئة القدر، واحتضنت مرمرة مادلين وسط الحطام، وغاب كل من اعتلى منصّة النصرة على متن مادلين خلف القضبان العفنة في غياهب السجن الواهن، وسلّمت رحلتهم المبتورة على رحلة *مرمرة* وعلى أهلها السارحين في فردوس الشهادة.
وهكذا، سجّل أسطول الحريّة في صفحات التاريخ شرفًا جديدًا، وسجّل رؤساء الجمهوريّات على صفحة التخاذل خزيًا جديدًا سيلدغ صمتهم عمّا قريب. وما زال الغزّيُّ مضرجًا بدمائه، يواجه الجوع الكافر والحصار الخانق والموت بأبشع أشكاله، يواجه كلّ أولئك دفعةً واحدة، على مدار عشرين شهرًا أو يزيد، ويقاومها وحيدًا وسط كومةٍ من خردى التفرج والاعتياد، وله الله.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *