كتبت: هيام صدام علي جديب
ما نراه في غزة لشيء عظيم تعجز عن وصفه الألسن.
المعركة شرسة، وهي كل يومٍ تشتعل ونيرانها تزداد.
حطامها يُثير الخراب بشكل عام ودمارٍ عظيم.
العالم كله يرى أقوى جيش في العالم يُقاتل فصائل المقاومة والمجاهدين النشامى، أشبالًا وأُسودًا.
لطالما كانت غزة عازلة لا تملك السلاح أمام قوة عظمى.
أطفال الحجارة”ها قد أصبحوا كتائب عظيمة وسرايا وجيشٌ عرمرم، رجال يُشدّ بهم الزناد، بعدةٍ بسيطة صنعها المقاتل بيديه الباسلتين، وقذائف صُنعية محلّية، صواريخ تهز تل أبيب وتدوي بالحق، صافرات الإنذار تدوي في كل الأراضي المحتلة.
أعدّوا العدة، وحفروا الخنادق، وأستعدت الأرض لهم، وهي تنصر أبناءها، وهم يخوضون معركة ضارية.
لك أن تتخيل شبابًا ومقاتلين لا يملكون من الدنيا ألا بندقية قديمة جهّزها بيديه، المقاتل الذي يحمل البارودة والسلاح ويهيّئ نفسة، يقف أمام دبابة يتجاوز ثمنها سبعة ملايين دولار، مُدجّجة بأفتك الأسلحة، ومزودة بأحدث تقنيات القتال، يأتي البطل ليلصق عبوة ناسفة، وترى بكلّ ما فيها من حديد ونار تتفجر وتحترق بمن فيها.
كل الحروب التي خاضها العالم تُثبت أن المعادلة: كل معتدٍ مصيره الزوال، ومن هو على الحق نُصر.
أما الاحتلال فلا محلّ له بين طاولات التفاوض، وهو مخذول في أرض المعركة، ومنسوخ لما سبقه من احتلال بين بلدان الأحرار في العالم.
أيُّ همجية وعدوان وانتهاك لممتلكات الغير، نهايته إلى الزوال الموعود.
المقاتل الذي يحمل البارودة والسلاح، وهيّأ نفسه، ذاك الذي يعسكر في معسكر الدين، هو ذاك الذي زوّد نفسه بقذائف الهاون وقذائف آل يسٍ، المقاتل الذي عجز أقوى جيش في العالم أن يعرف مترسه أو حتى خندقه، هو ذاك الفدائي الذي يُحرق الجرافة والدبابة بمن فيها من مسافة صفر.
وقد دُهِش الجيش الإسرائيلي من تدبير وتكتيك المقاتل، وذكائه، وحِنكته، ووصفهم قائلًا: نحن في غزة نقاتل وحوشًا، لا نقاتل بشرًا.
كم يُعزز المجاهدون من عزيمة الشعب الفلسطيني، وكم يشدّ من أزره بعملياتهم العسكرية، وكم يشفي الصدور التي احترقت ألمًا من سفك وبطش العدو.
أنا أحتقر كل من يرى الأمر عاديًّا.
كيف يراه عاديًّا، والعالم بأسره يقاتل ضد المقاومة الفلسطينية، وهي وحدها كأنها عالمان، كأنها جيش الوطن العربي، كأنها الجبال الراسية على هذه الأرض.
أيّ معادلة هذه؟! العالم ضد فصائل من المقاتلين ليس لهم دعم ولا سلاح، فقط بسلاحٍ صنعوه بأيديهم.
العالم الذي يقاتل فصائل المقاومة يريد أن يعرف: هل المقاومة وحدها بهذه القوة، أم أن هناك دولة تدعمها؟!
كن واقعيًّا قبل أن تكون أبله لا يعي شيئًا.
إن كانت المقاومة لها صوت خارج الأرض الفلسطينية، ما صمتَ العالم، ولصدع هذا الصوت من أيّ دولةٍ عربية.
الذي يظن المقاومة مدعومة بالسلاح، قُل لي: هل كان هناك علم سابق بيوم 7 من أكتوبر المجيد؟! الذي يظن المقاومة ضعيفة، وهي من ورّطت نفسها بعملية 7 أكتوبر، فقد أخطأ، وهو في غفلة من أمره.
كل من يرى هذا الأمر هينًا لا يسمع إلا من القنوات العربية العبرية.
الأمر ليس بيد أمريكا، ولا بيد الولايات المتحدة لتأمين غزة، ولا بيد العرب الذين يتفرّجون بكل انحطاط ودناءة على المعركة، وكأنّ الأمر لا يهمهم، بل وإن سمع بأن إخماد النار قد قَرُب، زَمجر وكأنه قسيس أو يهوديّ!
ليعي العالم، ويقلع عن عينيه نظارات الباطل، ويرى بأمّ عينه كيف تُصنع المقاومة، وكيف تُبلي بلاءً حسنًا، وكيف تُكبّد العدو خسائر بشرية، وتفجر الأرض تحت أقدامه القذرة.
أتذكّر عندما كان يهدد اليهودي بأنه سيجتاح غزة، وأنه سيهدم البنية التحتية، وأنه سينهي المقاومة ويقتل حماس. قال هذا في عام 2023، وكان قول المجاهد “أبو عبيدة” الناطق العسكري لكتائب عز الدين القسّام، وهو يعرف جيدًا أن المقاتلين يعرفون أرضهم، والأرض تعرف أهلها من مزدوجي الجنسية.
فقال بنبرته الحق، وصوت الشجاعة والإقدام الشامخة، التي يسترد بها كلّ عربي حرّ قوته وعزيمته، ويشدّ على الزناد، ويهدد، ويرفع سبابته الطاهرة، قائلًا:
“أتتوعدنا بما ننتظر، يا ابن اليهوديّة؟!
أما والله، الذي رفع السماء بلا عمد، فإن نواضح غزة تنتظركم، تحمل الموت الزؤام، وسيرى العالم جماجم جنودكم يدوسها أطفال غزة بأقدامهم الحافية.”
رأينا يا أبا عبيدة جماجم الجنود، ورأينا ذُلّ العدو، وتبيّن لنا مدى ضعفه، وأنه هين زائل لا محالة.
ويعي العالم الصامت المقيت أن العدو يقتل بشكل عشوائي ومتعمد، وبشتّى أنواع السلاح من صواريخ وقذائف ودبابات وجرافات ورصاص يُطلق عمدًا على أهل غزة، ويُشدّد الحصار، ويقتلهم بكلّ ألوان الموت.
ونحن نرى: من لم يُستشهد بغارات إسرائيلية، استُشهد وقتل جوعًا.
حينها قررت الدول العربية أن تُدخل مساعدات إنسانية إلى القطاع، ثم سلّموا هذه المساعدات كطُعم إلى أيدي العدو، وتم وضع آلية القتل المعروفة، حين يأتي المواطن لأخذ مساعدة بسيطة جدًّا، وهي توصف بقطرة على بحر.
نرى أن لقمة العيش أصبحت سلاحًا بأيدي العدو! أيّ خبث هذا؟! أيّ وحشية هذه؟!
عندما يُقتل من يحمل على ظهره الطحين، وهو يبتسم لأجل هذا الطحين، ليسدّ به جوع أطفاله!
نعم، خبزٌ مُلطّخ بالدم.
من ذهب إلى آلية المساعدة، من المحتمل ألّا يعود، وكأنّ لسان حال هذه الآلية يقول: “كطُعمٍ في يد العدو، يشبه طُعم الصياد للسمكة.”
سياستهم في التجويع معروفة، فهم يريدون تهجير الغزاويين قسرًا، بين القصف والحصار وآلية التجويع.
السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى تستمر المعركة؟!
بين صمت العالم الذي طال، وغزة تقاتل وحدها.
![]()
