كتبت منال ربيعي
حين يهدأ كل شيء…حين ينام الجدل، وتغفو الأسماء، ويصبح العالم كله مثل قطرة ماء متوازنة على حافة زهرة لوتس في معبد قديم…
حينها يولد مقام جديد.
لا يأتي من الكتب، ولا من مجالس المريدين،
بل من نسمةٍ عبرت وجهك فجراً،
من ظلالٍ لمست قدمك وأنتِ تمشين صوب الضوء،
من سكونٍ غامض تسرّب من جدار معبد مهجور…
وهمس في قلبك: قفي… لا تسرعي… هنا الله.
مقام “النور الساكن”، ليس مقامًا يُطلب فيه الوَجد، ولا الانخطاف،
بل مقام تعرفينه حين يتوقف الداخل عن الصراخ،
وحين لا تعودي بحاجة لشرح شيء.
كأنكِ دخلتِ حضرةً لا تحتاج إلى أبواب،
كأن الله ينظر إليكِ من خلال ورقة عنبٍ يابسة،
أو من غيمةٍ تقف بلا هدف فوق سقف بيتك.
في هذا المقام، لا تقولين “يا الله” بصوت،
بل تذوبين في الحروف دون أن تنطقيها،
ولا ترفعين الكف، لأنكِ عرفتِ أن الله في الكفّ حين تلمسين به الماء.
ولا تنتظرين إشارات، لأن الهواء نفسه صار صلاة.
مرّةً، رأيتُ امرأة عجوز تجلس في حوش بيتها القديم،
ترشّ الماء، وتهمس بآيات لا نعرفها،
كانت وحدها، لكنها بدت محاطة بملائكة من نور قديم،
قلتُ لنفسي: هذه تعرف “النور الساكن”.
لم تتعلم التصوف من كتب، بل من طقوس اليوم العادي،
من كسرة الخبز، من فتح النافذة وقت الفجر.
هذا المقام لا يطلب الهيبة…
بل البساطة.
ولا يعلو فيه الصوت… بل يشفّ فيه الهمس.
هو لا يشبه مقام الرجا، ولا الشوق، ولا الحنين.
هو يشبه لحظة ما قبل الذكر،
حين يصمت كل شيء…
ويبدأ الله.
![]()
