كتبت: منال ربيعي
أنا إنانا، زهرة السماء، سيدة أورك وعاشقة الندى، كنت أمشي فوق السُّحب بثوبٍ من نور، لا يمسّني جوع ولا هوى، حتى رآني تموز، راعٍ من الأرض، يرقبني كما يرقب الحقل المطر.
لم يخف، بل تطاول بنظره إلى مقامي، حتى أسقطني من علُ، فتعثّرتُ به، أنا إنانا، ووقعتُ في الحب.
فتحت له صدري كأنني أفتح الأرض للزهر، ووهبته ما لا يمنح لبشر. غمرته بعطفي، سقـيته من خمر قلبي، وجعلتُه إلهًا في ثياب الحرير، تزينه عطور السماء، يتهادى في معابدي كأنه ولد من رحم الضوء.
لكنه لم يكتفِ، ولم يعرف القدر. أراد أن يملك ما لا يملك، فحرضني أن أمدّ سلطاني إلى العالم السفلي.
أن أنازع أختي، إريشكيجال، على عرش كور، لأصبح ملكة الحياة والموت معًا.
فصدّقته، ونزلت. على أبواب كور السبع، تخلّيت عن زينتي، عن تاجي، وثوبي، وسلطاني، ومررت بوابة بعد أخرى حتى وصلت مجردة من نوري، فاستقبلتني أختي ببرود الموت، فصلبتني، وعلّقتني في الظلمة، ومِتّ كما لم تمت إلهة من قبل.
لكنني عدت. أعادني الندم، والغضب، والرغبة في الحساب.
وفي مرآتي السحرية رأيت تموز، رأيته في معبدي، على عرشي، يحتسي خمري، ويضاجع نسائي، ويتغنى بأنه ملك الأرض بعدي. انفجرتْ فيّ نار لم أعرفها من قبل، نار لا تطفئها دموع ولا تروّيها ذكرى.
سحبته من نشوته كما يُنتزع الطفل من حلمه، ودفنته في كور كما دُفنت.
لكنني لم أكتفِ. كل ربيع، كنت أحييه، أبعث فيه الحياة من أنفاسي، ألبسه النور، وأغريه بحبي، حتى إذا اطمأنّ لوجوده، أسقطتُ عليه لعنته، وسلّمته للموت من جديد.
أجعل موته طقسًا، وأجعله يعرف أنني لا أنسى. كل عام، أحييه لأقتله، وأقتله لأحبّه، وأحبّه لأراه يتلوّى كما تلوّيت. أنا إنانا، ومن أحبّني لا ينجو من قلبي.
وفي معبد أورك، حيث الأعمدة من ذهب والهواء مُثقَل برائحة البخور، وقف الملك يرتدي الأرجوان، يمثل تموز في الطقس السنوي.
تقدّمت منه الكاهنة الكبرى، شعرها كظلال النخيل، وعيناها مثل مرآة كور، وقالت له بصوت لا رجعة فيه:
“أيها الملك، إنك اليوم تمثل الخائن، الحبيب، الفقيد. سوف نلبسك المجد، ثم نسلبه. سنعطر جبينك، ثم نغمره بالغبار. إنانا ستراك كما رأت تموز، وستحكم كما حكمت. لا تنسَ، إنانا تحب حتى تحرق، وتغفر حتى تنتقم، وتحييك لتقتلك. فادخل الطقس وأنت تعرف أنك اليوم تُحب… وغدًا تُصلب.”
![]()
