كتبت نورهان جمال
مقالنا اليوم يناقش موضوعًا فلسفيًا لطالما شغل أذهان البعض، وربما خطر ببالك أنت أيضًا ذات مرة.
فلو جئتك وسط عالمنا هذا، بما فيه من حلاوة ومرارة، من تقلبات مبغوضة وأخرى محبوبة، وسألتك:
“هل ترى الإنسان كائنًا أخلاقيًا بالفطرة، أم أن الأخلاق أمر مكتسب من المجتمع؟”
من المؤكد أن البعض سيختار الفرضية الأولى، وآخرون سيرجحون الثانية، وذلك لاختلاف تفكيرنا، وتحليلنا، وزوايا نظرنا.
لكن، هل اختلافنا في الإجابة يعود أيضًا إلى طبيعة السؤال نفسه؟
من يرى أن الإنسان كائن فطري، يؤمن أنه خُلق من رحم أمه وهو يحمل في داخله ما فيه، من خيرٍ أو شر.
ويستند هذا الرأي إلى ما قاله بعض الفلاسفة وعلماء النفس مثل سقراط وأرسطو، الذين رجّحوا أن الأخلاق فطرية في أصلها.
أما الفريق الآخر، فيعتقد أن الإنسان يُولد نقيًا، لا يدرك شيئًا عن هذا العالم، وأن البيئة هي من تشكّل أخلاقه.
فإن كانت بيئة صالحة، نشأ صالحًا، وإن كانت فاسدة، فسدت أخلاقه.
وهذا ما ذهب إليه فرويد وروسو، حين رأوا أن الأخلاق أمر مكتسب.
نقول أحيانًا:
“يُخلق من العالم الفاسد مَن يُصلح، ومن الفاسد مَن يفسد أكثر”
مما يدفعنا للتفكر: هل الإنسان مسؤول عن ذاته؟ وهل قراره في ما يكونه هو خياره الحر؟
خذ مثالًا لإنسان نشأ في بيئة لا تعترف بالأخلاق، يُنظر فيها إلى من يتطاول بلسانه ويده على أنه قوي،
بينما يُعدّ المتمسك بالأخلاق ضعيفًا.
ومع ذلك، يختار هذا الإنسان أن يكون مختلفًا، لا يسمح للإساءات أن تغيّره، ويتمسك بأحلامه وأخلاقه،
رافضًا أن يعيش في وحشية همجية.
هذا المثال يدعم رأي فرويد وروسو بأن الأخلاق مكتسبة،
وأن الإنسان يستطيع أن يُشكّل ذاته رغم كل المؤثرات السلبية.
لكن، لا يمكن إنكار وجود أمثلة تدعم الرأي الآخر،
كذلك الإنسان الذي وُلد محبًا للأخلاق، كأنها تجري في دمه،
لا يستطيع مخالفتها، ويحلم بإكمال تعليمه ومواجهة مصاعب الحياة بنفسه،
وكأن فطرته الأخلاقية تسوقه رغم كل الظروف.
أما أنا، فإن سُئلت عن رأيي، فأنا أرجح أن الأخلاق أمر مكتسب.
نحن نُولد بلا حول ولا قوة، والبيئة من حولنا تشكّلنا، لكننا نملك حرية الاختيار.
نختار ما نريد أن نكون عليه، نختار الحب أو الكره، النجاح أو الفشل، الحلم أو التلاشي.
وإذا نشأنا في بيئة صالحة، فإننا سننمو على قيمها، ونحملها معنا في سلوكنا وحياتنا.
قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم:
“المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل.”
فالصالح يُصلح، والفاسد يُفسد.
وهذا ينسحب على المجتمع كله، فالمجتمع يجب أن يكون آمنًا،
ومُشبعًا بالأخلاق، مغلفًا بها كما تُغلف الحلوى في ورق جميل.
نصيحتي لكل من مرّ عليه هذا السؤال: “هل الإنسان كائن أخلاقي بالفطرة أم مكتسب من المجتمع؟”
أن يسأل نفسه أولًا، وينظر في أعماقه، ويدرك أن القرار ينبع من داخله،
وأن كل إنسان، مهما كانت نشأته، قادر على أن يختار ما يريد أن يكونه،
يكتسب ما يشاء، ويتخلى عمّا ل ا يناسبه.
فأنت، في النهاية، ما اخترت أن تكون.
![]()
