...
Whatsapp image 2025 08 05 at 4.27.36 pm

بقلم: محمد حسن

في صعيد مصر، حيث تختبر الحياة قسوتها يوميًا على وجوه الناس، وتتشكل المعاناة كجزء من تفاصيل العيش، تنمو حكايات صامتة لا تُروى على الشاشات ولا تُدّون في الكتب. وسط هذا الصمت، وُلدت قصة امرأة قررت أن تكون الاستثناء في زمن التبلد، وأن تمنح لليأس مهلة، وللوجع كتفًا يسند عليه. تلك هي هناء حسن مصطفى، المرأة التي لم تنتظر لقبًا ولم تسعَ لمجد، لكنها كانت دائمًا في المكان الذي يفتقد أحدهم فيه سندًا.

لا تحمل هناء شهادات مرموقة، ولا عناوين براقة. خرجت من قلب واقع يعرف الشقاء، لكنها لم تستسلم له. عاشت طفولتها بين أزقة تعرف الفقر جيدًا، وبيوت لا تعرف الرفاهية لكنها تفيض بالرحمة. من هناك تشكّلت رؤيتها، ومن هناك خرجت مشيئتها في أن تكون فارقة في حياة الآخرين، لا بسلطة ولا بمال، بل بقلبٍ قرر أن يشتبك مع كل تفاصيل الضعف ويصمد.

حين أسست مبادرة فرحة اليتامى، لم يكن في يدها إلا الإيمان. لم تنتظر تمويلًا، ولم تبحث عن شراكة مع جهات نافذة، بل كانت تتحرك بفطرة الإنسان الذي يعرف ما يفعله الألم بقلوب من لا يملكون شيئًا. عرّفت نفسها بالفعل لا بالخطابة، وبالعطاء لا بالكلام. لم تكن تسعى إلى تأسيس كيان، بل إلى تلبية حاجة. فكان الكيان امتدادًا لروحها، وكان النشاط انعكاسًا لحضورها اليومي في تفاصيل المحتاجين.

هناء ليست ممن يصنعون صخبًا حول إنجازاتهم. لا توثق اللحظات ولا تحصي ما أنفقت. لكن كل بيت دخلته يعرفها، وكل يد مدت إليها العون تعرف أنها صادقة. تعرف الأرامل بأسمائهن، وتذكر الأيتام بملامحهم، وتزور المرضى قبل أن يعرفوا وجهها. لا تفكّر في عدد المرات التي عادت فيها خالية اليدين، لكنها دائمًا تعود بقلبٍ ممتلئ.

مشروعاتها البسيطة بدأت بجهود فردية، لكنها تركت أثرًا عميقًا. ما بين قوافل إنسانية ومساعدات طارئة ودعم نفسي لمن فقدوا الأمل، تتحرك بهدوء لكن بثبات. لا تنتظر الثناء، بل تهرب منه. تعتقد أن الفعل الحقيقي لا يحتاج شهودًا، وأن الكلمة الطيبة هي جواز العبور للقلوب.

في لحظات التعب، لا تشتكي. لا تُحصي ما فاتها، بل تتألم بصمت. تقولها بجملة واحدة تقف عندها طويلاً: في ناس كانت محتاجاني وما لحقتهمش. تلك الجملة تلخّص فلسفتها. الوجع الحقيقي عندها ليس في ضيق الإمكانيات، بل في أن تتأخر يدها عن منادٍ.

رغم مرور السنوات، لم يتغير إيقاعها. ما زالت تسير بنفس الخطى التي بدأت بها، لكنها صارت أكثر نضجًا، أكثر صبرًا، أكثر فهمًا لعمق الرسالة. في عام 2023، التفت البعض نحوها، لكن الضوء لم يغيّر شيئًا. بقيت كما هي، نذرت نفسها لمن لا يملكون شيئًا.

هناء لا تصلح لأن تكون نجمة في فضاء إعلامي. النجوم تُرى من بعيد، وهي أقرب ما تكون إلى القلوب التي لم يقترب منها أحد. لا تصلح أن تكون بطلة في مشهد مكتوب، لأنها ببساطة كتبت المشهد كله وحدها، دون أن تنتبه لذلك.

في زمانٍ تراجع فيه الإحساس، وتحولت الرحمة إلى نداءات عابرة، بقيت هناء حسن مصطفى ثابتة في موقعها. لا تناديها الأضواء، ولا يغريها التصفيق. تعرف طريقها جيدًا، وتؤمن أن الجبر الحقيقي لا يُرى في نشرات الأخبار، بل يُحسّ في صدور من ظنوا أن لا أحد يراهم.

هكذا هي هناء.. امرأة قررت أن تكون المعنى، في وقتٍ صار فيه المعنى عزيزًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *