الكاتبة آلاء العقاد
في ريفٍ بعيد، محاط بالطبيعة والهواء النقي، عاشت عائلة بسيطة في بيتٍ من الطين والصفيح. قد لا يكون البيت فخمًا، لكنه كان عامرًا بالحب والدفء. عائلة أبو يوسف، رغم بساطة حياتهم، كانوا مترابطين كأنهم قلب واحد ينبض في صدورٍ مختلفة. خمسة أبناء، لا بنات بينهم، لكنهم لم يعرفوا الغيرة ولا الخلاف. تربوا على التعاون، يزرعون الخضروات ويأكلون مما تجود به الأرض، ويعيشون على ما تيسر، دون أن تمتد أعينهم إلى ما عند غيرهم.
كان هشام، أصغر الأبناء، دائم الحركة والضحك، يُبهج الجميع. أما محمود، الابن الأوسط، فكان الأكثر هدوءًا وتأملًا. أراد أن يكمّل تعليمه، فقرر أن يسافر إلى المدينة المجاورة، حيث التحق بإحدى الجامعات. رغم المسافة الطويلة التي تفصل الريف عن المدينة، لم يشأ أن يضيع الوقت في التنقل، فاستأجر مسكنًا صغيرًا هناك. ورغم غربته، لم ينسَ أهله، ولا ريفه، ولا دفء البيت الطيني.
درس محمود بتفوق في مجال الصحافة، وبعد أربع سنوات من الجد والاجتهاد، أصبح معيدًا في الجامعة. لم تُغره حياة المدينة، ولم تسرقه من جذوره، فكان دائم التردد على أهله، يحمل لهم الهدايا، والأهم: يحمل لهم الحب والانتماء.
وفي أحد الأيام، تلقّى محمود عرض عمل رسمي في إحدى الصحف الكبيرة. لم يتردد، لكن أول ما فعله هو أن عاد إلى الريف ليخبر إخوته: “هيا بنا إلى المدينة… سأبدأ حياة جديدة، وأريدكم جميعًا معي”. وافق الجميع، فقد كانت الرغبة في البقاء معًا أقوى من الخوف من التغيير.
انتقلوا إلى بيت جديد في المدينة. ربما كان أكثر اتساعًا وراحة، لكن ما زال يحمل في زواياه رائحة الريف، لأنهم حملوا معهم روحهم البسيطة وقلوبهم الممتلئة حبًا.
ربما تتساءلون: أين يوسف؟ لم نذكره بعد…
يوسف، الابن الأكبر، لم يكن حاضرًا معهم. كان معتقلًا في سجون الاحتلال منذ أكثر من 15 عامًا. لكن حتى خلف القضبان، لم تنكسر روحه. تابع تعليمه داخل السجن، اجتهد، وتعلم، وكتب. ظل حاضراً في دعاء العائلة، وفي أحاديثهم، وفي انتظاراتهم الطويلة.
ورغم السجن، والظروف القاسية، ورغم التنقل والحرمان والفقد، لم تنكسر العائلة. كانوا وما زالوا يدًا واحدة. لم يسمحوا للحزن أن يستوطن قلوبهم، لأنهم اختاروا أن يعيشوا على الأمل… على حلم الفجر الجديد.
نحن عايشين… على الأمل، وعلى يقين أن الغد أجمل.
![]()
