كتبت منال ربيعي
في ليالٍ لا يحصى عددها، كنت أستلقي في الحقل، بين سنابل القمح المبلّلة بندى الفجر، وجسدي مغمورٌ بعطر الأرض.
عيوني لا تعرف النوم، تحدّق في السماء حيث يسبح وجهه النوراني…
أنو إله السماء.
كان يعلم… أبي، العارف بأسرار النجوم، كان يقرأ قلبي من نظرة، ويرى فيه شوقًا لا يشبه شوق بنات الألهة.
كنتُ أراه، نانا، القمر المتهادي فوق رأسي، يغازلني بنوره البارد…
لم أكن أُطيق الصمت، فبدأتُ أعزف على الناي المصنوع من قصب الأهوار، أعزف له.
أرسل أنفاسي عبر الثقوب الصغيرة كأنها همسات حبٍّ تخترق السماء.
ثم بدأت أزيّن جلدي الأبيض برموز من نور القمر، أرسم عليه بضيائه دوائر وأقمارًا هاربة.
أضعها على صدري، على جبيني، على معصمي، كأنني أُعلن ولائي له، كاهنة بين يديه.
حتى جاءني… لا أعرف متى فتحت عينَي فوجدته فوقي، بين زهرة اللوتس والبردي.
كان في هيئة رجل من ضوء… عيناه بلون القمر حين يكتمل في سماء سومر، ولمسته دافئة كضوءه حين ينساب على البحيرات.
لم يكن لقاءً عاديًا… كان ميلادًا.
في تلك الليلة، وُلدت أول نغمة حب في الأرض، أول رعشة بين الجسد والسماء.
كما ولد أول حرف في مدينة أُور، كنتُ أنا وجه القمر المنير، وهو وجهه الخفي، هو السرّ، وأنا ظهوره.
ومن حبنا، بزغت شمش، شمس العدالة والنور، وعشتار، زهرة الرغبة والحرب، تلك التي أصبحت فيما بعد إنانا، إبنة الضوء والصوت.
ولأن الحب لا يكتمل دون نشيد، غنّيت…
نشيد العشق بين أنو ونيبغال
(بصوت نيبغال، السيدة العظيمة)
يا أنو، يا رب السماء العليا،
يا من يسكب ضوءه فوق رأسي كالرضا،
أنا نيبغال، زهرةُ الليلِ الأولى،
سيدةُ الحقولِ والغناءِ،
أنتَ سري الأعلى، وأول أنفاسي.
راقبتُكَ من عشب السهول،
وغفوتُ على صوت النجومِ وهي تهمس باسمك،
كنتَ بعيدًا… وكنتَ قريبًا…
تركتَ ضوءك على جفني،
فانتفض قلبي وعزفتُ أول لحن.
عشقي لك ليس كعشق الفانين،
أنا من خلقت من طين الحب ونور القمر،
أنا من رسم جسدها على صفحة السماء،
أنشد لك أناشيد لا تُقال،
بل تُعزف من نبض الحقول وأحشاء الأرض.
في نشوتي… تجسّدتَ رجلاً،
وجهكَ كالبدر حين يتجمّل،
عيناك… مرآتان لأعماقي،
يداك… دفءٌ يسبق شروق شَمش،
وحين قبلتني، تفتحت أول زهرة نجمة،
وولدت من جسدي إنانا،
وناحت الروح في تراتيل أنخدوانا،
فكتبتني نشيدًا،
وحملتُ أنا صوتها في فلوتي الأبدي.
يا أنو، يا سيد السماء،
اجعل حبنا حجراً في هيكل الخلود،
اجعلني نغمةً في قلب كل عاشق،
واجعل لي مقامًا بين إلهات النور،
فأنا نيبغال… من ضلعي وُلدت الأغنية،
ومن قبلتك أشرقت الشموس.
![]()
