حوار: رحمة سُليمان
من مدينة بحري، حيث يعانق النيل ضفاف الخرطوم، خرجت رماح عبدالجليل تحما في قلبها شغفًا مزدوجًا: شغف العلم، وشغف الحرف. هيا بنا نتعرف عليها عن قرب، ونغوص معاها داخل سرد قصتها.
1- لنبدأ حوارنا بنبذة بسيطة عنكِ للقارئ…من هي رِماح عبدالجليل؟ وأين كانت نشأتك؟
_نشأتي بالسودان، وتحديدًا العاصمة، أنا ابنة مدينة بحري التي تحتضن النيل.
تخرجت في جامعة الرباط الوطني كلية صيدلة، وأعمل أيضًا محررة صحافية لدى مجلة إيڤرست الأدبية.
2. حدثينا عن مسيرتك الأكاديمية، وكيف ساهم حصولك على الماجستير المهني في إدارة المؤسسات غير الربحية في تشكيل وعيك الثقافي والاجتماعي؟
_باعتبار أن طبيعة عملي داخل صيدلية مجتمع، وتنقلت أيضًا بين المستشفيات الحكومية والخاصة.. فإن دراستي هذه أكسبتني مهارة إدارية مهمة جدًا، وجدتُ ثمرتها في القدرة على تنظيم العمل.
والدراسة هذه امتدت فوائدها وتجاوزت الجانب العملي، بل حياتي صارت منظمة أكثر بسببها.
3- ما الذي دفعكِ لدراسة البرمجة اللغوية العصبية؟ وهل انعكس ذلك على أسلوبكِ في الكتابة أو رؤيتك للأدب؟
_لي شغف كبيرًا جدًا بكل ما يجعلنا نفهم ذواتنا، والآخرون..
كانت الدبلومة فرصة لأتعلم أكثر عن نفسي والبشر، وحتى في الجانب العملي ساعدتني على فهم مشاعر المرضى وشخصياتهم، لأنها تمر عليك مختلف الطباع البشرية وتجد نفسك مضطر إلى التعامل معهم، وغالبا زوار الصيدليات لا يكونون بأحسن حالاتهم، فينبغى على الصيدلي أن يكون لديه ذكاء عاطفي وقدرة على التعامل والصبر، ويحمي نفسه أيضًا حتى لا تؤثر سلبياتهم على مزاجه.. أعتقد الدبلومة نجحت بصورة كبيرة في اكتسابي لمهارات التعامل هذه.
4- متى بدأت علاقتكِ بالكتابة؟ وهل كان هناك حدث أو دافع معين دفعكِ إلى هذا العالم؟
_منذ أربع سنوات انضممت إلى مجموعة أدبية، وكنت أكتب خواطر بصورة مستمرة في مسابقاتهم الأسبوعية، ومن وقتها نمت الإلفة بيني وبين عالم الكتابة، فحين اختبرتها وجدتها مهرب من الحياة والعمل، ووسيلة لربط الإنسان بروحه أكثر.
5- كيف تصفين أسلوبكِ الأدبي؟ وما المواضيع التي تجدين نفسكِ تميلين إليها أكثر؟
_أسلوب أدبي بسيط جدًا، خال من تعقيد الكلمات، أميل أكثر في قصصي القصيرة إلى الكتابة عن ما يعالج النفس من هموم، ومشاعر، وقضايا إجتماعية تؤرقنا.
6- من أين جاءت فكرة مجموعتكِ القصصية “للتفاح هوية”؟ وما الرسالة التي أردتِ إيصالها من خلالها؟
_كتبتُ القصة مشاركةً في مسابقة جزائرية، حين كان الحديث عن الهوية، فوجدتني كتبت..
أردت فقط أن أعرف كيف يستطيع طفل لم يتجاوز العاشرة من العمر أن ينظر لهذه الكلمة، من أي زاوية سيفسرها، وسردت ذلك من خلال واجب معلمته حين سألتهم عن معنى الهوية..
7-في مجموعتكِ “بين الحياة واللا موت”، هناك عنوان يثير التأمل.. هل لكِ أن تشرحي لنا فلسفة هذا العنوان؟
_المجموعة هي الثانية لي، يطغى على قصصها الجانب الإجتماعي الواقعي، السوداوي للحياة، حيث جميع الأبطال يمرون بمعاناة مختلفة، يحاولون التعامل معها كلٌ حسب شخصيته، بعضهم يستسلم لقسوة الحياة، والآخر يمضي بثبات، ويتخطى العتبة.
8-كيف كان شعوركِ عند الفوز بجائزة أفضل نص عن الهوية في الجزائر؟ وهل ترين أن الهوية تُشكّل محورًا أساسيًا في كتاباتك؟
_كان أول فوز لي، كنتُ مذهلة حين أعلنوا اسمي ضمن الفائزين الأربعة، لذلك فإن تلك الجائزة جعلتني أثق أكثر بقلمي فيما بعد.
وبالحديث عن الهوية فإنها متجذرة في نفسي، فأنا امرأة تعتز بهويتها وبانتماءها، الأفريقي،العربي، السوداني، الإسلامي، ولا يمكن أن انفصل عن هويتي أثناء الكتابة.
9- حدثينا عن قصة “ضيف ثقيل” التي فازت بالمركز الذهبي. ما الفكرة التي أردتِ إيصالها من خلالها؟
_ضيف ثقيل تتحدث عن طفلة جاءت للحياة بعد مجاهدة والديها مع الأطباء، لكنهم فقدوها.. كنتُ أتجول في مخيلة الرجل المسن الذي منحته الحياة السعادة، ثم نزعتها منه.
10-كيف توفقين بين عملكِ كمحررة صحفية والكتابة الأدبية؟ وهل ساعدكِ كونكِ كاتبة في هذا المجال؟
_الكتابة الصحفية جاءت أولًا، ثم كتابة القصص والنشر لاحقًا.. لكن أحاول أن ألزم نفسي بساعات كتابة معينة خلال اليوم، أنهي فيها عدد الكلمات التي وضعتها كهدف يومي يربطني بالكتابة، والكتابة شاقة جدًا، إلا أنها ممتعة.
باقي الوقت أوزعه على الأشياء المهمة كإجراء الحوارات الصحفية أو البرنامج القصصي الأسبوعي الذي كنت أقدمه في إحدى الجروبات.. فتنظيم الوقت هو ما يمنح الفائدة والشعور بالرضا فيما بعد.
كوني صحافية وكاتبة.. مكنني من الاختلاط بالكُتاب خاصة في حواراتي معهم، كنت أكتسب من خبراتهم، واسئلهم عن الكتابة لأتعلم منهم، والحمدلله كانت هذه نعمة كبيرة، وفرت عليّ الكثير من الوقت، فمخاطبة التجارب الملموسة، يجعلني أتعلم اسرع، وأفهم أكثر.
11- كيف تصفين تجربتكِ مع دار نبض القمة للنشر والتوزيع؟
_تجربة طيبة، ودار نبض القمة دار محترمة جدا وراقية في تعاملها.
12- ما أبرز التحديات التي واجهتكِ في مسيرتكِ الأدبية؟ وما النصيحة التي تقدمينها للكتّاب الجدد؟
_التحديات التي واجهتني كانت في نوع الكتابة ومحتواها، أذكر مرة أردت أن أشارك بقصة في مسابقة ما، لكن تم تصنيف القصة على أنها سياسية وتم رفضها لهذا السبب، رغم أني لم أسرد إلا الحقائق التي عشتها أثناء فترة الحرب في السودان.
نصيحتي للكتاب الجدد.. “أنا واحدة منهم بالتأكيد“.. أكتبوا حتى وإن منعتم النشر، أكتبوا لأجل أنفسكم، لأجل الحقيقة.
13-من هم الكتّاب الذين أثروا فيكِ؟ وهل هناك شخصية أدبية تعتبرينها قدوة؟
_أي عمل أدبي جيد اقرأه يترك فيّ أثر..
أحب كتابات دعاء سويلم، فاطمة رحيم، سارة القصبي.
فيما يتعلق بمن قدوتي!.. فأجدني أنجذب إلى سرد د.أحمد إبراهيم إسماعيل، وإلى أفكار إبراهيم مصطفى النهر، وهناك من يكتبون القصة القصيرة بدهشة، مثل أحمد لطفي، وائل خبيب، وغيرهم الكثير.
14- ما هي مشاريعكِ القادمة؟ هل هناك مجموعة قصصية جديدة أو عمل أدبي آخر في الطريق؟
_أعمل على رواية، وهي روايتي الأولى، أنهيتُ المسودة الأولى، وحاليا أقوم بمراجعتها وتحريرها، وإن شاء الله ستكون عملي الأدبي القادم.
15-لو طُلب منكِ تلخيص تجربتكِ الأدبية في جملة واحدة، ماذا ستقولين؟
_الكتابة انتشلتني من مأساة الحرب.
فلا حرمني الله هذه النعمة.
16-سعدنا بهذا اللقاء معكِ. كيف وجدتِ الأسئلة؟ وهل هناك شيء تودين إضافته؟
_الأسئلة جميلة جدًا، كل الشكر لكِ، ولمجلة الرجوة، وأنا سعيدة بهذا الحوار معكم.
رماح عبدالجليل ليست فقط كاتبة تكتب، بل إنسانة تُنصت، وتفهم، وتُغبر. في هذا الحوار، اكتشفنا امرأة تعتز بهويتها، وتكتب من أجل الحقيقى، وتؤمن أن الأدب يمكن أن يكون دواءً، حين تعجز الأدوية عن مداواة الروح. نتمنى لها التوفيق في القادم، وإلى اللقاء، حتى يجمعنا لقاء جديد.
![]()

