...
Img 20250924 wa0051

حوار: أحمد محمد

بين أروقة جامعة الخرطوم ومجال الحوسبة، ومن قلب أم درمان العريقة إلى منصات البطولات العربية والدولية في مجال الذاكرة، سطّرت سارة سعيد يوسف قصة ملهمة لا تُشبه إلا ذاتها. لم يكن المال ولا الحظ وراء إنجازاتها، بل كانت الإرادة، والشغف، والإيمان الحقيقي بالرسالة. في هذا الحوار، نغوص في تفاصيل رحلتها المهنية والإنسانية، ونستعرض محطات صنعت منها نموذجاً نسائياً سودانياً يُحتذى به.

حدثينا عن بداياتك الأكاديمية والنشأة في أم درمان.

أنا سارة سعيد يوسف، نشأت في أم درمان العريقة، ودرست بمدارس التدريب. تخرجت في كلية العلوم الرياضية بجامعة الخرطوم، قسم الإحصاء والحاسوب. نشأتي في بيئة تعليمية منضبطة وأصيلة أسست لدي حب المعرفة والدقة.

بعد الجامعة، هل اتجهتِ مباشرة إلى العمل؟

نعم، عملت في الخطوط البحرية السودانية بقسم الحاسوب لمدة عامين. كانت تلك مرحلة تعلمت فيها الكثير عن بيئة العمل المؤسسي. لكن طموحي لم يكن ليتوقف هناك، فقررت أن أبدأ أول عمل خاص بي.

ما هي ملامح تجربتك الأولى في ريادة الأعمال؟

أسست شركة “فرينشيب للكمبيوتر”، وكانت هذه المحطة مهمة للغاية في حياتي. تعلمت من خلالها أسس العمل الخاص، وتعرفت على بيئته وتحدياته. استمرت الشركة في تقديم المشاريع المختلفة لمدة ثلاث سنوات، لكنها كانت كافية لتشكّل شخصيتي العملية وتوجّهاتي المستقبلية.

وماذا بعد تجربة “فرينشيب”؟

عدت للدراسة، حيث بدأت تحضير الماجستير في مجال الحاسوب، لكنني لم أواصل. شعرت أن هناك مجالاً آخر أبحث عنه، مجالاً يمكنني من خلاله التعبير عن نفسي بشكل أوسع.

هل كان هذا المجال هو التدريب؟

بالضبط. استهواني مجال التدريب، لأنه مفتوح، غني، ويمكّن الإنسان من الإبداع. بدأت كمتدربة عام 2006، وشاركت في العديد من الدورات داخل وخارج السودان. كما قرأت الكثير من كتب التنمية البشرية واطلعت على تجارب الرواد في هذا المجال.

كيف كانت بدايتك كمدربة محترفة؟

في عام 2009، بدأت بإدارة مركز تدريب IGG، الذي كان مختصاً بتدريب اللغة الإنجليزية والحاسوب. وبعده، من 2010 حتى 2012، عملت كمدير تدريب في مؤسسة “ظلال للتدريب والتنمية البشرية”. هذه كانت نقلة نوعية في حياتي المهنية. تعلمت فيها الكثير، وازداد شغفي بالمجال.

متى اتخذتِ قرار التفرغ الكامل للتدريب؟

بعد تجربتي في مؤسسة “ظلال”، قررت التفرغ كلياً للتدريب، بعيداً عن الأدوار الإدارية. بدأت التعاون مع مراكز مختلفة كمدربة مستقلة، وبدأت رحلة جديدة قادتني إلى عالم جديد كلياً.

حدثينا عن تجربتك في مجال بطولات الذاكرة، كيف بدأت؟

في ديسمبر 2012، تم ترشيحي لتمثيل السودان في مجال الذاكرة. في البداية، ترددت، لأن هذا مجال جديد ومليء بالتحديات الذهنية القوية. لكن مع القراءة والتدريب والإصرار، خضت التجربة، وكانت من أروع التجارب في حياتي. حصلت على ميدالية باسم السودان، وتلقيت تدريباً على يد الدكتور رياض بن صوشة، مؤسس البطولة العربية للذاكرة.

وماذا كانت الخطوة التالية بعد العودة إلى السودان؟

عدت أحمل رسالة جديدة. في 2013، أسست “مركز الذكاء العربي للتدريب”، كوكيل حصري لمؤسسة البطولة العربية للذاكرة في السودان. وبدأنا بتمثيل السودان في البطولات العربية والعالمية. في أول مشاركة لنا في البطولة العربية الثانية، حصلنا على عدة جوائز وميدالية باسم السودان عبر البطل مصعب عبد الله.

وهل استمرت المشاركات بعد ذلك؟

بالتأكيد. في 2014، شاركنا في البطولة العربية بمصر، وفزنا مجدداً بميدالية. وفي 2015، أسسنا أول بطولة سودانية في مجال الذاكرة بمعايير عالمية، وحصلنا على شهادة الابتكار. ثم شاركنا في البطولة الرابعة بالمغرب، حيث حصل البطل همام عبد الرحمن على لقب “ماستر في الذاكرة”.

هذا تطور مذهل، هل حصلتِ على اعترافات رسمية بهذا الإنجاز؟

نعم، في 2016 تم اختياري ضمن 60 امرأة سودانية نابغة في مجالات مختلفة. كما حصلت على لقب “مدرب خبير في مجال الذاكرة”، وحصلت على ترخيص لتقديم المستويات المتقدمة من برامج الذاكرة. أطلقنا في نهاية العام نفسه برنامج “الذاكرة والتفوق الدراسي للأطفال”، كأول برنامج متكامل يُمكّن الأطفال من المشاركة في بطولات الذاكرة وتحقيق نتائج دراسية متميزة.

سمعنا أنك دربت مستشاراً كفيفاً، كيف كانت تلك التجربة؟

دربت المستشار عمرو الضرير، وشارك معنا في بطولة السودان للذاكرة. كانت تجربته فريدة من نوعها، حيث أدى جميع الاختبارات بلغة برايل، ما جعلنا نحصل على شهادة الابتكار، باعتبار أن بطولة السودان كانت أول بطولة ذاكرة في العالم يشارك فيها شخص ضرير بلغة برايل.

كيف تمكّنتِ من تأسيس مركزك في ظل عدم وجود تمويل كافٍ؟

لم تكن لدي ميزانية لفتح مركز أو حتى البدء في عمل خاص. أسرتي ساعدتني بصندوق صغير، إضافة إلى دخل بسيط من بعض الدورات. أجرنا مكاناً متواضعاً، واستخدمنا أثاثاً مستعملاً. كانت البداية بسيطة جداً، لكنها علمتني أن المال ليس سبب النجاح، بل هو مجرد وسيلة.

ما هي الفكرة أو القناعة التي ساعدتكِ في تجاوز الصعوبات؟

إيماني العميق بأن المال ليس كل شيء. النجاح لا يصنعه المال، بل تصنعه الأهداف الواضحة، والرسائل التي نؤمن بها، والدعم من الأهل والأصدقاء. هذه كانت قناعاتي، وما زالت حتى اليوم.

وأخيراً… ما هي حكمتك في الحياة؟

لا يوجد مستحيل. فقط إرادة، وعزيمة، وإيمان، يمكننا بها أن نحقق ما نريد.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *