الكاتبة أمل سامح
تلك الأيام… كم تشتاق لها روحي كلما مرّت صورة في ذاكرتي تشبهها.
كانت رائحة الخبز الحار تملأ البيت قبل أن تشرق الشمس، وصوت جدّتي وهي تهمس بالدعاء يسبق أول رغيف يخرج من التنور. كنا نلتف حولها كما يلتف الحلم حول الأمان، ننتظر نصيبنا من دفء يديها قبل أن ننتظر الطعام نفسه. كانت الحكايات تنساب من بين كلماتها كما ينساب العسل، ترويها ونحن نأكل بفرحٍ لا يعرف الزمان معناه.
اليوم، صارت تلك الذكريات خبزًا آخر… نقتاته حين يشتد علينا البعد.
كم كانت البساطة أجمل مما نظن، وكم كنا أغنياء دون أن نملك شيئًا. ضحكاتنا كانت تملأ الأفق، وألوان الخضار على المائدة كانت تغني عن كل زينة. كانت الحياة خفيفة، تشبه رائحة التنور حين تمتزج بدخان الحطب، وتدفئ القلب قبل اليدين.
أشتاق لذلك الماضي الذي علّمني أن السعادة لا تُشترى، بل تُخبز بالحبّ وتُقدّم بابتسامة.
رحلت الأيام، لكن ظلّها باقٍ في قلبي، كلما شممتُ رائحة الخبز، سمعتُ صدى ضحكاتنا القديمة، وعدتُ طفلة… أختبئ في حضن جدّتي، أعيش دفءَ الماضي من جديد.
![]()
