...
Img 20251021 wa0039

 

 

الكتاب حسين العلي

 

كان الظلام داثراً، والريح تعوي كذئب جريح خارج جدران البيت العتيق. اختفى ضوء القمر خلف سحابة سوداء قاتمة، كأنه يختبئ في حياء وخجل، لكنه أرسل أشعته خفية، فتساقطت كشذرات فضة على وريقات الأشجار المتمايلة في فوضى العاصفة. داخل الغرفة، حيث يعبق الهواء برائحة الخشب القديم والصبر، جلست وحيدة. كانت الإبرة وكرة الصوف بين أناملها، تلتقطهما في صبر عظيم، ثم تبدأ في تكملة قطعة النسيج الصوفي الملقى بإهمال على المنضدة الخشبية.

 

من وراء النافذة المرتعشة، كانت عيناها ترقبان ظلاً متقلباً لقمم الأشجار البعيدة، وهي تتمايل على ناي العاصفة الهوجاء. كان هناك أيضاً ظل رجل هارب من حنين ولهفة وأنين، وظل هائل للجبل وهو يحتضن المدينة النائمة في حضن الخوف. امتدت يدها المرتعشة إلى جهاز الجوال الموضوع أمامها مباشرة، تحتضنه بين كفيها الباردتين، كأنه شريان حياة أخير. استحضرت رقماً نام في ذاكرتها طويلاً، رقماً نضح بالأمس وذاب في غياهب النسيان. نفضت عنه غبار السنين، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة صفراء باهتة، بينما اختلس أنفاسها، وخفق القلب بشدة تكاد تطايره من صدرها.

ضغطت على الأرقام المحفورة في الذاكرة، وانتظرت. جاءها الصوت الآلي متقطعاً، بارداً، لا حياة فيه: “الرقم المطلوب خارج نطاق التغطية”. سقطت الجملة كصخرة في بئر سحيقة. عندها تأكدت أنها صرخت كثيراً في واد فارغ، خارج نطاق كل شيء. العاصفة الخريفية تشتد، كأنها تريد اقتلاع الأشجار الكثيفة المحيطة بالبيت العتيق من جذورها. شعرت بألم غريب يزحف رويداً رويداً من أعماق قلبها، ليصل حداً لا يطاق.

 

في محاولة بائسة لقتل الرتابة ودحر شبح الملل الذي بدأ يخنقها، مدت يدها مرة أخرى، وضغطت إصبعها على مفتاح التشغيل لجهاز الحاسوب. كان الحاسوب والجوال صديقين حميمين منذ الأزل، يتألفان الحنين وقلق الانتظار. انبعثت موسيقى نظام التشغيل، ثم أتت من بعده موسيقى السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، صاخبة، شجية، مشحونة بالغضب والعنفوان.

 

نظرت إلى السماء عبر النافذة، ثم توهت في أول غيمة متجهة نحو الشمال. ورويداً رويداً، بدأت الموسيقى تتهاوى، تتعثر، ثم تتحول إلى أصوات متداخلة لا تدل على شيء، كأنها شفرات عالم ينهار. أخيراً، صمت الجهاز إلى الأبد.

حملقت في الشاشة السوداء بشدة. نظراتها كانت تحمل معنى واحداً محدداً: الخوف الممزوج بالدهشة. كم تمنت لو تشرق الشمس ويأتي الصباح سريعاً. عادت إلى الإبرة وقطعة النسيج، محاولة أن تنسج من خيوط الصوف درعاً يحميها من هذا الليل الطويل. وفجأة، انقطع التيار الكهربائي، فساد الظلام المطبق. بأصابع ترتجف، أشعلت شمعة صغيرة، تتحسس طريقها في بطء نحو النافذة. طرقات المدينة كانت خاوية على عروشها، لا حركة ولا حياة. ردد القلب أشياء كثيرة لا تعرفها إلا أحياء المدينة. عادت إلى مكانها، جلست في صمت، وقررت في سرها: “سأنتظر حتى الصباح”.

 

لكن العاصفة تشتد أكثر، تعربد الرياح في جنون، تضرب النوافذ بعنف. انفرجت النافذة فجأة ثم انطبقت بشدة، وسمعت صوت زجاج ينكسر. سريت قشعريرة باردة في أوصال الفتاة. وفجأة أخرى، انطفأت الشمعة، فغاص كل شيء في العتمة والرعب.

 

لم تعد تطيق الانتظار. قررت مغادرة المكان. ارتدت ثيابها في عجل، ولفت عنقها بشال من الصوف، ثم التقطت حقيبة يدها، وقطعة النسيج التي لم تكتمل بعد. خطواتها كانت سريعة مضطربة وهي تغادر البيت العتيق إلى العالم المجهول. ضربت في شوارع المدينة الموحشة بلا هدف، تائهة بين جدران الصمت، والريح تضرب وجهها كالسياط.

وفي تلك اللحظة بالضبط، بدأ جهاز الجوال داخل البيت العتيق في الرنين المتواصل. رنين حاد متكرر، يخترق صمت الغرفة المظلمة. وبينما كانت هي تتاه في طرقات المدينة، عادت الكهرباء فجأة. وانبعثت موسيقى السيمفونية الخامسة لبيتهوفن من جهاز الحاسوب، صاخبة، شجية، تملأ البيت العتيق وحده. ورويداً رويداً، بدأت العاصفة تهدأ.

 

في تلك اللحظة التي هدأت فيها العاصفة، كانت المدينة كأنها تلتقط أنفاسها الأخيرة بعد بكاء طويل. المطر انساب على الأرصفة كدموع نادمة، يغسل بقايا ليلٍ مثقلٍ بالذكريات. وفي زاوية الطريق، تحت مصباح شاحب متعب من السهر، وقفت هي، تتنفس بصعوبة، ترتجف من البرد ومن شيءٍ غامض في داخلها، لا تدري أهو خوفٌ أم حنين.

 

رفعت وجهها نحو السماء، كانت الغيوم تنزاح ببطء، كأنها تُفتح ستائر الصبح الجديد. في تلك اللحظة، دوّى في صدرها صوت الهاتف البعيد… رنينٌ مألوف يقطع صمت الليل في مكانٍ لم تعد فيه. التفتت خلفها لا إراديًا، كأن روحها شعرت بالنداء الذي غاب عنها جسدًا وبقي فيها أثره.

 

توقفت خطواتها. مدّت يدها إلى حقيبتها تبحث عن الجوال، لكنه لم يكن هناك. أصابها الذهول، تذكّرت أنها تركته فوق المنضدة بجانب الإبرة و كرة الصوف. تاهت نظراتها، كأنها ضيّعت نصفها الآخر في عتمة البيت العتيق. ثمّ غمرها إحساس مبهم، كأنّ شيئًا يدعوها للعودة.

 

وفي تلك الأثناء، داخل البيت العتيق، ظل الهاتف يرنّ بإصرار، وصوت السيمفونية الخامسة يعانق الرنين في مشهد غريب من التلاقي والفراق. على الشاشة المضيئة، كان الاسم واضحًا: “هو”.

 

تردّد الصدى بين الجدران، بين خيوط الصوف التي لم تكتمل، بين كرسيّها الخالي ودفءٍ غادر المكان. الشمعة المطفأة أعادت بعض نورها، كأنها تستجيب لحنينٍ مجهول، والموسيقى تعلو شيئًا فشيئًا… حتى بدا البيت وكأنه يستعيد أنفاس الحياة.

 

في الطريق، كانت هي تخطو ببطء نحو العودة، لا تدري إن كانت تذهب إلى البيت أم إلى النهاية. العاصفة خمدت، لكن عاصفة أخرى كانت تثور في داخلها. حين وصلت الباب، توقفت طويلاً، مدّت يدها إلى المقبض، ثمّ تراجعت قليلاً. لم تجرؤ على الدخول. كأنّ البيت لم يعد بيتها، وكأنّ الذكريات أصبحت كائناتٍ غريبة تسكنه دونها.

 

لكنّ الموسيقى التي انبعثت من الداخل نادت قلبها، همست باسمها في نغمةٍ من نغماتها. دفعت الباب ببطء، دخلت، ورأت الضوء ينساب على قطعة النسيج التي تركتها. الهاتف لا يزال يرن، لكن حين اقتربت منه، صمت. توقفت الموسيقى أيضًا.

 

نظرت حولها طويلاً، كان كل شيء ساكنًا، إلا تلك الكرة التي تدحرجت على الأرض في صوتٍ خافتٍ يشبه التنهد الأخير. جلست مكانها القديم، التقطت كرة الصوف، وعادت تكمّل النسيج الملقى بإهمال، كأنها لم تغادره يومًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *