...
Img 20251022 wa0095

 

الكاتبة إيمان شلاش

 

“كانت حياتي سليمة لولا دخول وسائل التواصل الاجتماعي”، هكذا كتبت ميرا في وصيتها قبل أن تودّع هذه الحياة وتطلق رصاصة الرحمة على قلبها الذي أنهكته متاعب الخداع الإلكتروني.

 

ميرا فتاة في عقدها الثاني، ولأن أسرتها محافظة، تأخرت ميرا في اقتناء جوالها. ولكن ما إن أهدى لها أخوها جوالًا حديثًا، حتى بدأت تتعمّق وتتعلّق بشكل كبير، يومًا بعد يوم، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم الذي كانت تقلب فيه بين صفحات برنامج يُدعى “فيس بوك”.

كانت ميرا حريصة على إخفاء اسمها الحقيقي، والتخفي بأسماء وهمية…

 

في ذلك اليوم، وفي تمام الساعة الثالثة والنصف في رمضان 2023، نشرت ميرا منشورًا لطيفًا، ولأنها تتخفى باسم مستعار، لم يكن أحد يعلّق لها، حتى ظهر ذلك الشاب وبدأ بكتابة تعليقات وهمية تجذب العقل والذهن.

استمرت ميرا في نشر مناشيرها، وذلك الشاب بالتعليق لها كل يوم، حتى بدأت تعتاد كلماته، وأخذ به الحال إلى التحدث معها على حسابها الخاص.

كان شابًا طموحًا، صادقًا، جميلًا… هذا ما بيّنته له تلك الشاشة، وتلك المواقع المزيفة التي كان ينشر بها أدعية دينية وأناشيد قيمة.

 

ربما هذا هو سبب خطورة مواقع التواصل الاجتماعي: أنك تستطيع أن تُظهر أشياء لا تملكها، وهذا ما أبدع فيه ذلك الشاب المخادع.

كان يدّعي دائمًا أنه يخاف عليها، وأن حبه لها غير محدود.

كان حنونًا بشكل مفرط، حتى صدّقت ميرا ذلك الكلام، وأدمنت وجوده الإلكتروني.

ولأنها بريئة، لا تحمل في قلبها سوى الصدق، ظنّت أن كل ما يُقال على تلك المواقع حقيقي وصادق.

فقبلت به حبيبًا وصديقًا، لا تعرف عنه سوى ما يريد هو فقط إخبارها به، ولا تعرف شكله سوى من خلال الصور، فكل واحد منهم يسكن في مدينة مختلفة عن الآخر.

 

استمر هذا الوضع لأيام، ثم أشهر، ثم سنوات.

كانت تصدّق كل ما يقوله لها، وتتحمّل كل ذلك البُعد، حتى اكتشفت بعد سنتين ونصف أن ذلك الشاب كان مخادعًا، وكل وعوده كاذبة، وكل تلك المشاعر كانت حروفًا تُنسّق وتُكتب لتظهر بشكل جميل يجذب به كل البنات.

وأن ما ضاع من عمرها لن يعود، ولأن محاسبة الوعود على وسائل التواصل الاجتماعي ليست موجودة، ذهب عمرها وشبابها هدرًا ومضيعة للوقت.

 

هذا هو حال العديد من الفتيات في هذه الأيام… يصدّقن ويؤمنّ بكل ما يُقال لهنّ بتلك الشاشات الخادعة، وتلك البرامج الوهمية، وبنهاية المطاف تُدمّر قلوبهن.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *