الكاتبة منة الله محمد
كان العالم أهدأ، وكانت القلوب تُحبُّ ببراءةٍ لا تُشبه ما نحن عليه اليوم.
كانت ضحكاتنا تُقال وجهًا لوجه، فتنبت في العين نورًا، وفي القلب حياة.
كان الحُبّ يأتي على استحياءٍ، كنسمةٍ تمرُّ بخجلٍ في زهر الربيع.
كانت الفتيات يخبّئن رسائل صغيرة في دفاترهنّ،
ويُخفين بين الصفحات وردةً ذابلةً، لكنها تحمل عطرًا من لقاءٍ لا يُنسى.
كان الشابّ ينتظر مرورها عند باب المدرسة،
يختلس نظرةً سريعة، تكفيه لأيامٍ من الحلم والحنين.
لم تكن هناك شاشات تفصل الأرواح،
ولا رموزٌ جامدة تحاول تقليد مشاعر البشر.
كنّا نتحدث بنبض القلب،
ونكتب بحبر الصدق، لا بحروفٍ مصمَّمةٍ لتُرضي الآخرين.
كانت الرسالة الورقية تُسافر كأنها وعد،
ننتظرها بلهفةٍ، ونحتفظ بها كأنها كنزٌ صغيرٌ من زمنٍ لا يُعوَّض.
كان الحنين جميلًا لأنه حقيقي،
وكان الفراق مؤلمًا لأنه نابع من قلبٍ ما زال حيًّا.
ثم جاءت تلك الشاشات…
تسلّلت إلى حياتنا كضوءٍ باردٍ لا دفءَ فيه،
أضاءت وجوهنا، لكنها أطفأت ما فينا من إنسانية.
صرنا نضحك أمامها، بينما قلوبنا تبكي في صمت،
ونتبادل القلوب الحمراء، بينما قلوبنا الحقيقية تُغلق أبوابها.
أصبح اللقاء رسالةً فورية،
والشوق إشعارًا على الشاشة،
والفراق مجرّد “بلوك” يُنهي قصةً كانت يومًا حياة.
كيف تغيّرنا هكذا؟
كيف أصبح الحُبُّ سهلًا إلى هذا الحد؟
كيف صار البُعد خفيفًا؟
وكيف صرنا نُطفئ الحنين بلمسة إصبعٍ، دون أن نشعر بوخز الضمير؟
كنّا نعيش في زمنٍ يعرف الأدب في المشاعر،
زمنٍ كان فيه الانتظار لونًا من ألوان الحُب،
وكانت النظرة تُربك القلب أكثر من ألف محادثةٍ اليوم.
كانت الوردة تُقال بها “اشتقت”،
وكان الورد وحده كفيلًا أن يُصلح ما بين قلبين.
أما اليوم…
فقد غدت المشاعر معلَّبة،
والأحاديث متكرّرة كالنصوص المنسوخة،
والألفة مجرّد عادةٍ على شاشةٍ مضيئةٍ لا تعرف الدفء.
نضحك كثيرًا، لكننا لا نفرح،
نتحدّث كل يوم، لكننا نفتقد بعضنا أكثر.
يا ليتَ تلك الأيام تعود،
حين كانت الشوارع تحفظ خُطانا،
وكان الليل يعرف من يشتاق لمن،
وحين كان القمر يُشارك العشّاق رسائلهم الصامتة من خلف النوافذ.
كنّا نعيش الحُبَّ بطهرٍ لم تُفسده المقارنات ولا التصنّع،
كنّا نحبّ بصدقٍ يشبه صلاةً خاشعة،
ببساطةٍ تُشبه نغمة شادية حين تبتسم،
وبرقّةٍ تُشبه صوت سعاد حسني وهي تقول: “الدنيا ربيع.”
كانت قلوبُنا سليمة،
تشبه طفلًا يضحك للمطر،
ونجمةً تلمع بلا سببٍ، إلا أنها خُلقت لتُضيء.
حتى دخلت علينا وسائل التواصل،
فعلّمتنا أن نُخفي ما نشعر به،
أن نُظهر القوة ونحن نتفتّت من الداخل،
أن نُحبّ على العلن ونفترق في السرّ،
أن نكتب كثيرًا… لكن لا نقول شيئًا حقًا.
آهٍ يا زمن الرسائل واللقاءات العابرة…
كم كنّا بخير قبل أن نعرف هذا العالم الافتراضي،
قبل أن نصبح نسخًا رقمية من أنفسنا،
وقبل أن تفقد القلوب معناها الحقيقي.
كانت قلوبُنا سليمة،
تحبّ ببساطةٍ وتغفر بصدقٍ،
حتى جاءت الشاشات،
وأفسدت الصفاء الذي كنّا نعيش فيه،
وجعلتنا نشتاق لأيامٍ لم تعُد…
إلا في الذاكرة.
وربما… يومًا ما،
سنغلق الشاشات لنستعيد الإنسان فينا،
حينها فقط…
ستعود القلوب سليمة كما كانت.
![]()
